
يكفل القرآنُ العظيم لمتدبِّره أن يخرجَ بحصيلةٍ من الحقائق التي تتناقض مع الأفكار السائدة والمعتقدات الرائجة. فالقرآنُ العظيم كتابُ الله الذي يشتملُ بين دفَّتَيه على حقائقَ إن نحن أخذنا بها كان لنا أن ننجو من التخبُّط في متاهات الظنون والأوهام والأفكار الخاطئة. ومن ذلك ما جاء في القرآن العظيم من توصيفٍ للوجود يُمكِّنُ الآخذَ به من صياغةِ تصورٍ له هو الأقربُ إلى الحقيقة من أيِّ تصورٍ آخر طالما كان هذا القرآن قد صاغته يدُ القدرةِ الإلهية والتي هي ذاتُها من قامت بصياغة مفردات هذا الوجود.
ولذلك فإن القرآن العظيم يكفلُ لمتدبِّره أن ينجو من حبائل التصورات الخيالية بشأن الوجود ومفرداته. ولمتدبِّر القرآن العظيم أن يحظى أيضاً بما يؤمِّنُ له ألا ينساقَ وراء ظنون العقل وأوهامه فيكون له بالتالي أن يُنزِّه تصوُّره عن الله تعالى عن أية شوائب تفرضها النفسُ ويوجبُ الأخذَ بها الهوى! فاللهُ تعالى بيَّن في قرآنِه العظيم السبيلَ القويم لتحصين أفكارنا وتصوُّراتنا عنه حتى لا تضلَّ بنا السبُل فنظنَّ في الله غير الحق ونقول في الله ما ليس لنا عليه دليل. فلقد جاءنا القرآنُ العظيم بكلِّ ما نحن بحاجةٍ إليه حتى يكتملَ لدينا التصوُّر الصائب عن الله والذي يتفق تمام الاتفاق مع ما ينبغي أن يكون عليه إيمانُنا به تعالى وذلك على قدر ما يتطلَّبه الأمر من التنزيه له تعالى عن كلِّ ما يمازج تصوراتنا من ظنونٍ وأوهام وأفكارٍ غير صائبة.
فاللهُ تعالى متعالٍ عن كلِّ تصوُّرٍ يجنحُ بنا إلى تحييزِه في حيزٍ مهما عظُم واتَّسع! فسمواتُ الكون، وإن ترامت أطرافُها، لا قدرةَ لها إطلاقاً على أن تتَّسع لله تعالى الذي لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يُحيط به طالما كان هو المحيطُ بكلِّ مخلوقٍ مهما عظُم جُرمُه. ولذلك جاءنا قرآنُ الله العظيم بما يفيد بأنَّ الله تعالى موجودٌ فوق السموات وفوق ملائكة هذه السموات، لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون) (49 -50 النحل)، و(تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (5 الشورى).
إن تدبُّرَ القرآن العظيم كفيلٌ بتطهيرِ عقولِنا من الظنون والأوهام والأفكار الخاطئة، والتي لا سبيل للتخلُّص منها إلا بالمواظبةِ على هذا التدبُّر. وكلُّ تصورٍ لنا عن الله تعالى أو عن الوجود لابد وأن نعرضه على القرآن العظيم وذلك حتى يكون بمقدورنا أن نُصوِّبَه ونُقوِّمَه ونُصَحِّحَه وفقاً لما جاءنا به هذا القرآن.
