
لا سبيلَ هناك على الإطلاق للتوفيق بين الدين الإلهي والعلم الوضعي! فالعلمُ الوضعي “لا قدرةَ” له على التخلِّي عن كثيرٍ من مُسلَّماته وبديهياته التي هي عنده “مقدسةٌ” كما هي مقدسةٌ نصوصُ الدين الإلهي! والعلم الوضعي “لا رغبة له” إطلاقاً في أن يراجع هذه المُسلَّمات والبديهيات حتى وإن جدَّ ما يقتضي ذلك، ومن ذلك إصرار العلم الوضعي على أن يحرمَ المادةَ “عقلَها” الذي خلقها اللهُ تعالى به ولم يستثنِ تجلياً من تجلياتها مهما دقَّ جُرمُه وصغُر حجمُه!
فالمادةُ تسبِّح بحمد الله وإن كنا لا نفقه هذا التسبيح، والمادةُ تسجد لله وإن كنا عاجزين عن أن ننظر إليها فنراها ساجدةً لله. ومادة الكون تشرَّفت بعقلٍ حُرِم الإنسانُ منه لفرط انشغاله بنفسه وهواه! فعقلُ المادة، وإن كانت ميتةً بايولوجياً، هو الذي أتاحَ لها ألا تُسارع إلى حمل الأمانة التي حملها الإنسان الظلوم الجهول (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72 الأحزاب). فهذا الكون، الميت بايولوجياً إلا قليلاً، ما كان له أن ينتظم وينضبط وفقاً لما شاءت إرادةُ الله وقضت مشيئتهُ لولا أن مادتَه، بكل تجلياتها، عاقلةٌ وبما يكفل لها أن “تستجيبَ” و”تتفاعل” مع أمرِ اللهِ تعالى وأسبابه إطاعةً لا يُمازجها عصيانٌ ولا يُخالطها تمنُّعٌ ولا إباء كما هو الحال مع الإنسان “العاقل”!
