
انتهيتُ في المنشور السابق إلى تبيان ما عادَ به علينا إحجامُنا عن تدبُّر القرآن العظيم من إخفاقٍ ذريع في الوقوع على معاني الكثير من آياتِه الكريمة. ولقد نجمَ عن هذا الإعراضِ منا عن المواظبة على تدبُّر القرآن العظيم أن استشرت فينا أفكارٌ خاطئة وتصوراتٌ مغلوطة أنزلناها منزلة النصوص المقدسة فارتضيناها مفرداتٍ استعنَّا بها على صياغةِ “منظورِنا الديني” الذي شرعنا ننظرُ من خلالِه إلى كتابِ الله، وإلى كونِ الله، فكان أن انتهينا إلى افتراضاتٍ حادت بنا عن جادة الصواب.
فكيف فاتَنا أن نستذكرَ ما وردَ في قرآنِ الله العظيم من آياتٍ كريمة قاطعة الدلالة بأن اللهَ تعالى محيطٌ بكلِّ شيء، وأنه لذلك لا يمكن أن يُحيطَ به شيء؟! وكيف تجاسرنا فظننا أن اللهَ تعالى موجودٌ في السماء تحيُّزاً واستمكاناً وهو الذي لا حيزَ بمستطاعِه أن يُحيِّزَه لأنه المتعالي سمواً وعلواً فلا قدرةَ لمخلوقٍ والحالُ هذه على أن يحتويه وإن كان سمواتُ الكون التي وسِعَها كرسيُّهُ ولم تسعه تعالى؟! فلو أننا تدبَّرنا القرآنَ العظيمَ حقاً لتبيَّن لنا كم ظلمنا أنفسَنا إذ قمنا بصياغةِ عباراتٍ من مثل: “عدالة السماء”، “شريعة السماء”، “الأديان السماوية”، “الكتب السماوية”، …!
وهكذا تتوالى الإخفاقاتُ في تبيُّن ما انطوى عليه النصُّ القرآني المقدس من حقائق نأى بنا عن الإحاطةِ بها ما نحنُ عليه من شديدِ تشبُّثٍ بقراءة آياتِ القرآن العظيم بغير لسانِه العربي المبين ومن دون أن نحرِّر هذه القراءة مما يُخالطها من خبالات النفس وتخرُّصات الهوى! فيكفينا أن نستذكر هذا الذي نُصرُّ عليه من ألا خلودَ في نارِ جهنم، وأن الله تعالى ما كان ليذرَ فيها مَن خلقهم بيدَيه خالدين أبداً وهو الرحيم الذي وسعت رحمتُه كلَّ شيء! وبذلك فلقد اجترأنا على صريحِ نَص القرآنِ العظيم الذي أبانَ، وفي مواطنَ منه كثيرة، عن أن جهنم هي المثوى الأبدي لكلِّ مَن لم يُزحزَح عنها فيُدخَل الجنة! فكيف استطعنا أن نغضَّ الطرفِ فنتغاضى عن كلِّ ما ورد في قرآنِ الله العظيم من آياتٍ كريمة تنصُّ وتجزم وتقطع بأن لا نجاةَ من عذابِ جهنم الأبدي فاستعضنا عن هذه الحقيقة بأباطيل روَّجنا لها فراجت فينا وشاعت فجعلتنا نصدِّق أنها الحقيقةُ فظننا ما يتناقض ويتعارض مع صريح النص القرآني المقدس؟!
ألا يكفينا أن نقرأ في قرآنِ الله العظيم: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (من 165 -167 البقرة).
يتبيَّن لنا بتدبُّر ما تقدَّم من نصٍّ قرآني مقدس ألا خروج هناك من النار على الإطلاق، وأننا والحالُ هذه مُطالَبون بأن نُعيدَ قراءةَ قرآنِ الله العظيم بتدبُّرٍ سوف يكفلُ لنا أن نستيقن من أننا لم نقرأه القراءةَ الصائبة التي لو أننا تدبَّرناهُ بها لتبيَّن لنا ما نحن عليه من خطرٍ عظيم بهذا الذي نحنُ فيه من حُسنِ ظنٍّ بجهنم التي لم يصل إلينا من كلامها غيرَ “هَلْ مِنْ مَزِيدٍ”!
