
يظن النُحاة والمناطقة كلٌّ على حِدة أن بمقدورهم أن يُقاربوا النَّص القرآني المقدس “المقاربةَ المثلى”، والتي تكفل لهم أن يتبيَّنوا ما ينطوي عليه نصُّه الإلهي هذا من خبايا وأسرارٍ وخفايا غابت عن غيرهم ممن لم يقارب القرآن العظيم مقاربتهم النحوية -المنطقية! وهذا زعمٌ يُفنِّده تدبُّر القرآن العظيم. فمتدبِّر القرآن العظيم هو ذاك الذي يقرأ نصَّه الإلهي المقدس بلسانه العربي المبين ومن دون أن تُمازج قراءته ما تفرضه النفسُ من محدِّداتٍ فكرية وما يوجبه الهوى من شرائط وأحكامٍ إن نحن أخذنا بها واحتكمنا إليها كان في ذلك ما يجعلُ من مقاربتنا القرآنية تفتقر إلى ما يؤمِّن لها أن تأمن الوقوعَ في الخطَل الجسيم ابتساراً وتعسفاً وولوغاً في متاهات الظن والافتراض!
صحيحٌ أن عقلَ الإنسان مولعٌ بـ “صياغة النماذج” ولعَهُ بفرضها على عالَم الواقع وعالَم الحقيقة، إلا أن هذا “الولع المَرَضي” لا ينبغي أن يحولَ دون أن نكونَ لعقلنا البشري هذا بالمرصاد، وذلك حتى يتأتى لنا أن نتحرر من محدِّداته وافتراضاته ونظرياته! ولذلك فإن أخشى ما ينبغي أن نخشاه على تديُّننا هو قيامُنا بصياغةِ “تصورٍ منطقي” لدين الله تعالى، وذلك لكي تقبلَ به عقولُنا المؤتمرةُ بما تأمرُ به النفسُ وينهى عنه الهوى! وبذلك فسوف يغيبُ عنا بالضرورة إدراكُ الحقيقة التي مفادها أن الدينَ الإلهي ليس له بالضرورة أن يجيء متوافقاً مع ما يقتضيه منطقُ عقولِنا ويفرضه من ضوابطَ وأحكام منطقية! فالدين الإلهي له منطقُه الخاص، وهو منطقٌ متمايزٌ عن منطق العقل البشري؛ هذا العقل الذي يأبى أن يصدِّق أن هناك منطقاً يتفوق عليه ولا يتطابق معه ناهيك عن أنه يتعارض مع مُسلَّماته وافتراضاته وبديهياته!
فمن “المنطقي” لدينا أن يكون النبي، أي نبي، كائناً مثالياً لحياته قبل النبوة أن تشتمل على ذنوبٍ وأخطاء لا يمكن لحياته بعد النبوة أن تشتمل على أيٍ منها! ولذلك فمن “المنطقي” لدينا أن تفترض عقولُنا “المنطقية” أن آدم الذي أكل من الشجرة التي نُهي عنها لم يكن نبياً حينها، وأنه لم يصبح نبياً إلا من بعد أن تاب اللهُ تعالى عليه وهدى! وبذلك فسوف نكونُ مضطرين والحالُ هذه إلى غض الطرف والتغاضي عن حقائق من مثل ما حدث لآدم من إسكان الله تعالى له جنَّتَه، وتعليم الله تعالى له الأسماء كلها، ومِن أمر الله تعالى لملائكته الكرام بالسجود له عليه السلام! وهذه كلها أحداثٌ لا يمكن أن تحدث لمن لم تكن النبوة قد طرقت بابه قبلها!
