
انتهيتُ في المنشور السابق إلى تبيان هذا الذي يتمايز به الإنسانُ عن الحيوان، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بعلاقةَ كلٍّ منهما بالنوع الذي ينتمي إليه. فالإنسانُ كائنٌ مجبولٌ على الإحساس بـ “الفردية المطلقة”، وهو لذلك عاجزٌ تمام العجز عن أن يولي علاقته بالنوع الإنساني ما تستحقُّه من همٍّ واهتمام. ولقد انعكس انشغال الإنسان بذاته عليه بكلِّ ما جعل منه منصرف البال والفؤاد عن تلبية مُراد النوع الإنساني منه، وذلك مقارنةً بالحيوان الذي ليس له من همٍّ ولا شاغل إلا ما كان ينصبُّ في مصلحة نوعِه. ولذلك كانت المرأة أنثى قبل أن تكون أماً، ولذلك ِأيضاً فلقد حادَ الإنسان بكل مفردةٍ من مفردات المرأة عن دورها الذي خُلقَت لتضطلع بتأديته خدمةً لها عندما تصبح أُماً! فكان أن أصبح لهذه المفردات “معنىً آخر” غير معناها الذي لا يرى النوعُ الإنساني معنىً آخر غيره!
فيكفينا أن نستذكر في هذا المقام كيف انحرف الإنسانُ بنظرته إلى ثدي الأنثى عما خُلق ليقوم به من إرضاعٍ لطفلها إلى تأديةِ دورٍ آخر لا علاقة له من قريبٍ أو بعيد بما خُلِق ليقوم به أصلاً، فأصبح بذلك ثدي الأنثى مفردةً تخصها هي، وبالتالي زوجها، عوض أن يكونَ بالتمام والكلية لطفلها! ولذلك فلقد شاعَ بين نسائنا وراج تصورٌ خاطئ يشدد على هذه “الفردية” التي أصبح بها الإنسانُ يتمايزُ عن الحيوان! فكان أن طفق كثيرٌ من النسوة في الاستعاضة عن إرضاع أطفالهن، كما أمر الله تعالى، برضاعة “غير طبيعية” وذلك حرصاً منهن على ألا يصيبَ أثداءهن ما يجعل من واحدتهن تخفق في استيفاء “المقاييس المطلوبة” حتى تكون الأنثى أنثى! وبذلك فات هؤلاء النسوة أن يتذكرن ما شدَّد عليه القرآنُ العظيم من دورٍ للرضاعةِ من الأم في تنشأةِ طفلها التنشأة القويمة (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) (233 البقرة)، (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) (من 15 الأحقاف).
ويكفي للتدليل على ما للرضاعةِ من عظيمِ قدرٍ في تنشأة الطفل أن نستذكر ماجاءنا به قرآنُ الله العظيم من توصيفٍ استحقت بموجبه المرأةُ التي تُرضع طفلاً ليس بطفلها أن تسمَّى أماً (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) (من 23 النساء). فالطفلُ الذي تُرضعه امرأةٌ غيرُ أمه يكون والحال هذه له أُمَّان: أُمُّه البايولوجية وأُمُّه التي أرضعته.
وبعد هذا كله ينبري لنا من يجادل فيقول بأن الإنسانَ “مخلوق طبيعي”!
