
لاشك في أن ما جاءنا به العلمُ الوضعي من أدلةٍ وبراهين على أن الإنسان قد تطور عن الحيوان هو الحق الذي لا يماري فيه ولا يُشكِّك إلا من حالَت الظنون والأوهام والأفكار المسبقة دون أن يشاطر علماء التطور البايولوجي الأدلة والبراهين التي اهتدوا إليها، والتي تبرهن على صدق ما ذهبوا إليه. فالتطور البايولوجي حقيقةٌ من حقائق الوجود ويشهد لها بذلك حشدٌ من البراهين والأدلة ليس باليسير إحصاؤه. إلا أن تطورَ الإنسانِ عن الحيوان لن يُجيب على كلِّ سؤالٍ يقفز إلى البال بمقارنة هذا الذي هو عليه الإنسان بما يقابله من صفاتٍ وخصائص عند الحيوان! فلكأن الإنسان تطور عن الحيوان تطوراً لم يُغلق البابَ في وجه فواعل أخرى شاركت ماضي الإنسان الحيواني فعلَه التطوري فكان حقيقاً على الإنسان أن يكون وفقاً لهذا كله صنيعةَ ذلك الماضي وتلك الفواعل. وإلا فكيف لنا أن نُعلِّل لكثير من هذا الذي يتمايز به الإنسان عن الحيوان إذا كان التطور البايولوجي هو الفاعل الوحيد في صناعة وصياغة الماضي الإنساني؟!
ولذلك فلا مناصَ هناك من أن نلجأ إلى الدين الإلهي وذلك لنستكمل النقص الذي يعتور تصور العلم الوضعي عما حدث في ماضي الإنسان فجعل منه يتناشز عن الحيوان وإن كان قد تطور عنه! ونحن إذا ما استهدينا دينَ الله تعالى بهذا الخصوص فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن أن هذا الدين قد اشتمل على إجاباتٍ لكل تلك الأسئلة التي يعجز الإصرارُ على حيوانية الماضي الإنساني عن أن يجيء بإجاباتٍ لها. فيكفينا أن نستذكر أن هذا الذي هو عليه الإنسان من عدوانٍ ظالمٍ غاشم قد علَّل له دينُ الله تعالى، وذلك بأن أرجعه إلى ما حدث للإنسان من بعد أكل أبويه من شجرة الجنة التي نُهيا عنها. فتلك الأكلة الآثمة هي العلة من وراء العدوان البشري الظالم الغاشم، وهذا هو عينُ ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآية الكريمة (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين) (24 الأعراف).
