عِلَّة العدوان البشري (2)

إذا كان عقل العلم الوضعي عاجزاً عن أن يُعلِّل للعدوان البشري الظالم الغاشم، فإن عقلَ رجال الدين التقليديين لا يقلُّ عنه عجزاً! وهذا أمرٌ ما كنا لنتوقعه من رجالٍ يزعمُ الواحدُ منهم أنه متديِّنٌ بدين القرآن العظيم الذي أنزله اللهُ تعالى تبياناً لكلِّ شيء ٍ(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (من 89 النحل). فكيف يعجز عقل رجال الدين التقليديين عن أن يجد في قرآن الله العظيم ما هو كفيلٌ بتبيان العلة من وراء العدوان البشري الظالم؟! ألا يدل ذلك على أن مقاربة رجال الدين التقليديين لدين الله تعالى وللقرآن العظيم ليست بالمقاربة المثلى؟!

لقد كان بمقدور رجال الدين التقليديين أن يجدوا في قرآن الله العظيم تبيان علة العدوان البشري الغاشم، وذلك لو أنهم تدبروا ما ورد فيه من آياتٍ كريمة تعلِّل لهذا العدوان وذلك بإرجاعه إلى ما نجمَ عن أكل أبوينا من شجرة الجنة التي نُهيا عنها! فالقرآن العظيم أبانَ عن أن تلك الأكلة الآثمة قد نجم عنها ما حتَّم على بني آدم أن يُعاديَ بعضُهم بعضاً (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (35 -36 البقرة). إلا أن رجال الدين التقليديين يُصرُّون على أن أكلَ آدم وزوجه من تلك الشجرة المحرمة لم يتسبَّب بأي إضرارٍ طالَ ذريتَهما وذلك بسببٍ من ظنِّهم أن في ذلك ما يتعارض مع تفسيرهم لما جاء به القرآنُ العظيم من حقيقةٍ مفادها أن ليس لوازرةٍ أن تزرَ وزرَ أخرى! وهكذا فلقد فات هؤلاء أن يتبيَّنوا أن التضرُّر الناجم عن الأكل من الشجرة المحرمة قد سرى في ذرية آدم وزوجه سريانَ أي تضرُّرٍ ينجم عما يقوم به أيُّ أبوين من فعلٍ ستتضرَّر جراءه ذريتهما لا محالة! وما أمر الأمراض الوراثية التي يعاني السواد الأعظم من بني آدم جراءها منا ببعيد!

إن رجال الدين التقليديين يُبرهنون على إخفاقهم في مقاربة دين الله تعالى المقاربةَ المثلى بهذا الإصرار من جانبهم على ألا ينظروا إلى الإنسان بعينٍ تراه على ما هو عليه حقاً وحقيقة: مخلوقٌ ذو قدرةٍ خارقةٍ على إشاعة الفساد والظلم في الأرض! فيكفينا لكي نتبيَّن ما هم عليه من ضلالٍ مبين أن نستذكر هذا العجز منهم عن إبصار ما هو قادرٌ عليه الإنسان من إشاعةٍ للظلم والفساد في الأرض؛ هذه القدرة التي لولا القبضة الحديدية للقانون الوضعي لقُضي على جميع أفراد الجنس البشري منذ زمن بعيد!

إذاً فرجال الدين التقليديون مُطالبون بأن يأتوننا من قرآن الله العظيم بما هو كفيلٌ بأن يُعلِّل للعدوان البشري الظالم تعليلاً مخالفاً لذاك الذي يُصرُّون على أنه ليس بمتضمَّنٍ في قوله تعالى “بعضُكُم لبعضٍ عدو”، وذلك طالما كانوا يصرُّون على أن هذا القانون الإلهي لا ينطبق على بني آدم وفقاً لتفسيرهم غير الموفَّق والذي يكون بمقتضاه الإنسان والشيطان بعضهما لبعض عدو!

One comment

أضف تعليق