
شاعَ في الناسِ وراجَ ظنٌّ خاطئٌ مفادُه أن جنةَ الفردوس موجودةٌ في هذه الحياة الدنيا! وهذا ظنٌ لا يستقيمُ مع ما جاءنا به قرآنُ الله العظيم من آياتٍ كريمة يتبيَّن لمتدبِّرها أن جنةَ الآخرة لا يمكنُ على الإطلاق أن تكونَ مفردةً من مفرداتِ هذه الحياة الدنيا. ولقد استدلَّ القائلون بأن جنةَ الفردوس موجودةٌ في هذه الحياة الدنيا بمقارباتٍ غير موفَّقة لبعضٍ من آياتِ القرآن العظيم التي لو أنهم كانوا قد تدبَّروها حقاً لتبيَّن لهم خلافَ ما يظنون ويتوهمون!
فاللهُ تعالى أبانَ في قرآنِه العظيم أنه قد خلقَ في هذه الحياةِ الدنيا سبعَ جناتٍ بثَّها في عموم سمواتِ هذا الكون بثاً لا يمكن للعقل البشري أن يُحيط بتفاصيله أبداً! وهذه الجنات السبع هي السموات السبع التي اصطفى اللهُ منها جنةً هي الأقربُ إلى عرشه العظيم، وهي جنةُ السماء السابعة التي سماها تعالى “جنةَ المأوى”. وهذه الجنة هي الجنةُ التي أسكنها اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه، والتي لم يُطِل بهما المقامُ فيها بسببٍ من أكلهما من شجرتها التي نهاهما اللهُ تعالى عنها.
وجنة المأوى هذه هي ذاتُها الجنةُ التي انتهى إليها معراجُ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عند “سدرةِ المنتهى” منها.
وجنةُ المأوى هذه هي “جنة الشهداء” التي أخبرنا القرآنُ العظيم بأن اللهَ تعالى قد جعلها مثوى الذين قُتلوا في سبيله حتى قيام الساعة.
إن جنةَ الآخرة لا يمكنُ بحال أن تكونَ من مفرداتِ هذه الحياة الدنيا، وذلك لأنها ذاتُ أبعادٍ لا يستقيمُ تصوُّرُها مع ما هو عليه هذا الكونُ من أبعادٍ وما يشتملُ عليه من موجودات. فيكفينا أن نستذكرَ ما جاءنا به قرآنُ الله العظيم بهذا الصدد: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (من 133 آل عمران)، (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (21 الحديد).
لقد فاتَ القائلين بدنيوية جنة الفردوس أن اللهَ تعالى أخبرنا في قرآنِه العظيم أنه سيُبدِّلُ الأرضَ غيرَ الأرض والسموات يوم القيامة (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (48 ابراهيم). فكيف يستقيمُ إذاً أن تكون جنةُ الفردوسِ موجودةً في هذه الحياة الدنيا واللهُ تعالى سيبدلُ هذا الكون بكونٍ آخر هو كون الآخرة؟!
