
جعلَ اللهُ سيدَنا آدم في الأرضِ خليفة، فما هو معنى ذلك؟ وهل تعني حقاً كلمة “الخليفة” ما ذهب إليه البعضُ من أن للأمرِ صلةً بما سيكونُ عليه حالُ بني آدم يخلفُ بعضُهم بعضاً بالتزاوج والتوالد؟! وهل حقٌّ هو ما ذهب إليهِ بعضٌ آخر من أن “الخليفة” هو خليفة الله في الأرض، وأن هذا “الخليفة” هو الإنسانُ بعامة الذي كفَّله اللهُ تعالى مهمة استعمار الأرض وعمارتها؟!
يتكفلُ بتفنيد ما ذهب إليه هذا البعضُ وذاك أن نستذكر ما جاءنا به قرآنُ الله العظيم من آياتٍ كريمة يتبيَّن لمتدبِّرها ألا علاقةَ للأمرِ من قريبٍ أو بعيد بهذا المعنى المفترض أو ذاك، وأن الأمرَ وثيقُ صلةٍ بالقانون الإلهي الذي وثَّقته سورة النور في الآية الكريمة 55 منها (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون).
فاللهُ تعالى جعل سيدَنا آدم في الأرض خليفة وذلك بأن أبقى عليه من بعدِ هلاكِ مَن كان يُفسِدُ في الأرض ويسفكُ الدماء، وهذا كلُّ ما في الأمر. واستخلاف سيدنا آدم في الأرض كان أمراً يخصُّه هو ولم يكن ليتعداه ليشمل أياً من أفراد ذريته. فالاستخلاف الإلهي لم يشمل بني آدم كلَّهم جميعاً، كما كنا لنستنتج لو أن ما ذهب إليه البعض من أن الأمرَ ذو صلةٍ بالإنسان بعامة، ولكنه قانون رباني لن يكون قدَر الواحد من بني آدم إلا من بعد أن يستوفي ما يقتضيه هذا القانون من شرائط دونها خرط القتاد! فلا استخلاف إلهياً في الأرض لمن لم يكن من الذين آمنوا وعملوا الصالحات. فكيف يكون إذاً الإنسانُ بعامة خليفةَ الله في الأرض؟
