
يظن كثيرٌ من الناس أن فضل اللهِ تعالى مكفولٌ لكلِّ مَن هبَّ ودبَّ دونما شرائطَ يتحددُ بموجبها فلا يطال إلا مَن استوفى هذه الشرائط سبقاً إلى الصالحات وإحساناً! فالفضل الإلهي عند هؤلاء مطلقٌ دون تقييد يفرضه الإيمانُ بالله والعمل الصالح! وفضل اللهِ تعالى عند هؤلاء، كما هي رحمته، وسع كل شيء. إلا أن من يذهب هذا المذهب في إطلاق فضل الله تعالى ورحمته قد فاته أن يستذكر ما جاءنا به القرآنُ العظيم من شرائط إلهية ومحدِّداتٍ ربانية قيَّد اللهُ تعالى بها فضلَه ورحمتَه.
صحيحٌ أن رحمةَ اللهِ تعالى وسعت كلَّ شيء (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (من 156 الأعراف)، إلا أن من يستحق هذه الرحمة الإلهية الواسعة قد عرَّفه القرآنُ العظيم بأنه لابد وأن يكون من أولئك الذين فصَّلت وبيَّنت حالهم مع اللهِ تعالى ذاتُ الآية الكريمة التي أبانت عن واسع رحمةِ اللهِ تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) (من 156 -من 157 الأعراف).
وكذلك هو فضلُ اللهِ تعالى الذي جاءنا القرآنُ العظيم بما يُحدِّد مستحقِّيه بأنهم أولئك الذين فصَّلت حالهم مع اللهِ تعالى الآيتان 73 -74 آل عمران (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
وبذلك يتبيَّن لنا أن رحمةَ اللهِ الواسعة وفضله العظيم رهنٌ بتوافر شرائط ومحدِّدات دونها ليس هناك من تعرُّضٍ لأي منهما. وبهذا المعنى ينبغي أن نتدبَّر الآية الكريمة (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) (من 21 النور). فالمخاطَب بهذه الآية الكريمة هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين استحقوا بهذا الإيمان والعمل الصالح أن تنالَهم رحمةُ الله وأن يغمرهم فضلُه.
