
يأبى الإنسانُ أن يصدِّقَ أنَّ له ماضياً حيوانياً يضرب بجذوره عميقاً في الزمان إلى ملايين السنين! وما ذلك إلا لأن الإنسانَ لا يريدُ أن يصدِّق أنه قد انبثق عن الحيوان الذي لا يستطيع أن ينظر إليه إلا على أنه أدنى منه منزلةً في الخلْق! فكيف يستقيمُ إذاً أن يكونَ هذا الإنسان “المُعظَّم” سليل الحيوان؟!
وهكذا يمضي الإنسانُ مبتعداً عن الحقيقة لا لشيء إلا لأنها لا تتماشى مع ظنونه وأوهامه وأفكاره المسبقة عن ذاته وعن غيره من موجودات هذا الوجود! ولقد بلغَ تعظيمُ الإنسان لِذاته حدَّ التقديس في الوقت الذي بالغ فيه في بخْس قدر الحيوان وإلى الحد الذي جعله تبخيسُه هذا يُدرِجه ضمن قائمته للتقليل من شأن الآخرين وإشباعهم سباً وشتماً!
إن إصرارَ الإنسان على الإعراض عن تدبُّر ما بين يديه من أدلةِ وبراهين على أن له أصلاً حيوانياً لن يغير من حقيقة ماضيه الحيواني شيئاً. ولو أن الإنسانَ أنصف لنظر إلى هذه الأدلة ليجد فيها ما هو كفيلٌ بجعله يدرك ما بينه وبين الحيوان من تشابهات تشي بمدى القرابة الشديدة بينهما. ولو أن الإنسان أنصف لأيقنَ أن هذه التشابهات كلها جميعاً ليست بقادرة على الإطلاق على أن تجزم بألا أصلَ آخرَ له غير أصله الحيواني هذا، وذلك طالما كان ما يتمايز به الإنسانُ عن الحيوان لا يقلُّ قدراً عما يتشابه به معه!
