
تختلف مقاربةُ كلٍّ من الدين الإلهي والعلم الوضعي لمسألة ظهور الإنسان على سطح كوكب الأرض. فبينما يقول الدين الإلهي بأن الإنسانَ صنيعة الله، يشدِّدُ العلم الوضعي بالمقابل على أن الإنسانَ صنيعةُ الطبيعة. فهل من سبيلٍ لتبيُّن أي المقاربتَين هي الأمثل؟
لنفترض أن ما يقول به العلمُ الوضعي هو الحق، وأن الإنسانَ لم تصنعه يدُ الله تعالى لكن صنعته يدُ الطبيعة، ألا يقذف بنا قولُنا هذا في غياهب المستحيل ومتاهاته؟! فإذا كانت الطبيعة هي مَن صنع الإنسان حقاً، فكيف يستقيمُ عندها هذا الأمر طالما كان الإنسان قد انتهى به الحال ليصبح مفردةً متناشزةً مع هذه الطبيعة، وإلى الحد الذي جعله يُمثِّلُ خطراً داهماً عليها؟! ألا يتبيَّن لكلِّ مراقبٍ موضوعي ما هو عليه الإنسانُ من عظيمِ تناشزٍ مع الطبيعة؟! فكيف تصنعُ الطبيعةُ قاتلَها؟! إن تدبُّر ما يتناشز به الإنسانُ مع الطبيعة كفيلٌ بجعلنا مستيقنين من أن الإنسانَ لا يمكن أن يكون صنيعة الطبيعة التي تشهدُ كلُّ مفردةٍ من مفرداتها بشديد تناغمها مع باقي المفردات ومع الطبيعة ذاتها. وحده الإنسان هو مَن شذَّ عن الطبيعة وخرج على قوانينها وتناشز مع باقي مفرداتها وإلى الحد الذي جعله كلُّ هذا عدوَّها اللدود، والذي إن كان لنا أن نخشى عليها من شيء، فلن يكونَ ذلك إلا من هذا الإنسان! فكيف يريدُنا إذاً علماء التطور البايولوجي أن نصدِّق أن الإنسانَ صنيعةُ الطبيعة وهو على هذا القدر من التناشز مع برنامجها الطبيعي؟! وكيف للطبيعة أن تكون أم هذا الإنسان الذي يفعل كلَّ ما من شأنه أن يُبيدها عن بكرة أبيها؟!
إن تدبُّر هذا الذي عليه الإنسان من عظيم خبالٍ لا يمكن بحال أن يقطع بأن الإنسانَ صنيعة الطبيعة التي ما كان لها أن تكون أماً لهكذا كائنٍ لا قدرةَ لها على إصلاحه وعلى إصلاح ما أفسده فيها!
وهكذا سوف نكون مضطرين والحالُ هذه إلى وجوب القول بأن الإنسانَ صنيعةُ الله، وأنه تعالى “مسؤولٌ” عن الأخذ بيده على طريق الهدى حتى يشفى ويبرأ من نفسِه التي ستُهلِكُه لا محالة إن هو حادَ وأعرضَ عن اتباع هذا الطريق. فاللهُ تعالى ما كان له أن يذرَ الإنسانَ يتخبطُ وحيداً في متاهات الضلال المُبين دون أن تمتدَّ إليه يدُ رحمتِه الواسعة التي إن هو استمسك بها مُتَّبعاً هَديَه كُتِبت له النجاةُ من غوائل النفس ومتاهات الهوى، وإلا فهو الضلال البعيد والضياعُ الأكيد دنيا وآخرة!
