
قالت العربُ فيما قالت: “الناسُ كالناسِ والأيامُ واحدة”، فهل ينطوي هذا القول على تعميمٍ لا ينبغي للمتروِّي أن يأخذ به على عواهنه؟ صحيحٌ أن الناسَ في كلِّ زمانٍ هم الناس، مهما تباينت أعراقُهم وأجناسُهم وألوانُهم وأديانُهم وثقافاتُهم وطبقاتهم الاجتماعية، إلا أن هذا لا يُجوِّزُ لنا أن نقطع ونجزم بأن ليس هناك من الناس مَن يشذُّ عن سوادهم الأعظم بياضَ قلبٍ وصالحَ حالٍ مع اللهِ تعالى!
وإذا كان هذا هو ما ينبغي أن تكونَ عليه نظرةُ المتأنِّي في أحكامه إلى الناس حتى لا يؤخذ الواحدُ بجريرة الجماعة، فكذلك هو حالُ الأيام: لا ينبغي للمتمهِّل أن يحسبها واحدةً لا اختلافَ بين غابرها وقادمها! صحيحٌ أن الغالبَ على أيام البشر في كلِّ زمانٍ ومكان هو هذا الذي يجعلها لا تتمايزُ فيما بينها خلواً من كلّ ما يجعل من واحدها يوماً “صُنع فيه التاريخ” أو “تغيَّر فيه العالم”، إلا أن هذا لا ينبغي أن يُسوِّغ لنا أن ننسى أن لله تعالى أياماً يتجلى فيها بعظيمِ جبروتِه تجلِّيه بواسع رحمته، وأن هذه الأيام، على ندرتها، لا ينبغي أن تجعلنا نيأس من أن نشهدَ واحداً منها أو أكثر تطالُنا فيه نفحةٌ من نفحاتِ رحمة الله، أو نأمن مكرَ الله فننسى ما حاق بمن سبقنا من عذاب الله ما تحتَّم أن ينزل في ساحتهم جزاء ما جنته أيديهم (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور) (5 إبراهيم).
