
تحدثتُ في منشورٍ سابق عما سمَّيتُه بـ “الاصطفاء المزدوج” للسيدة مريم عليها السلام، وذلك وفقاً لما يُبيِّنه تدبُّر الآية الكريمة 42 آل عمران (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين). فالسيدة مريم عليها السلام اصطفاها اللهُ تعالى مرتين؛ الأولى بأن جعلها من عباده المصطفَين الأخيار من صالحي وصالحات بني آدم، وذلك مصداق قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين) (33 آل عمران). أما الاصطفاء الثاني فكان بجعله تعالى لها عليها السلام مطهرةً إذ لم يكتب اللهُ تعالى لها أن يطمثها بشرٌ، فحملت بسيدنا عيسى عليه السلام بأمرٍ من اللهِ تعالى وذلك بقوله “كُن فيكون”. وهذا التطهير الإلهي للسيدة مريم عليها السلام هو الذي قصدت إليه الآية الكريمة بقوله تعالى: (طَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين). وهذا الاصطفاء الإلهي لا علاقة له من قريبٍ أو بعيد بما ينطوي عليه الاصطفاء الأول والذي هو اصطفاءٌ عامٌ في حق صالحي وصالحات بني آدم كلِّهم جميعاً.
وبذلك تكون السيدة مريم عليها السلام قد اصطفاها اللهُ تعالى على نساء العالمين بهذا المعنى الذي بمقتضاه كان لها أن تلد إبنها المسيح عليه السلام دون أن يمسسها بشر. فالسيدة مريم عليها السلام، شأنها في ذلك شأن كل مَن اصطفاهُ اللهُ تعالى من ذرية آدم عليه السلام، قد اصطفاها اللهُ تعالى لا على نساء العالمين فحسب، ولكن على نساء ورجال العالمين، كما هو حالُ غيرها ممن اصطفى اللهُ تعالى من ذكرٍ وأنثى من بني آدم عليه السلام. فيكفينا أن نستذكر ما جاءتنا به سورة التحريم في آيتَيها الكريمتين الأخيرتين (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ). فالله تعالى ضرب السيدة مريم عليها السلام مثلاً للذين آمنوا، مؤمنين ومؤمنات، ولم يقصر الأمرَ على المؤمنات فحسب.
وبذلك يتبيَّن لنا أن الاصطفاء الذي استحقت بموجبه السيدة مريم عليها السلام أن تكون مُصطفاة الله على نساء العالمين لا علاقةَ له إلا بما تأتى لها أن تتشرَّف به من حملٍ لابنها المسيح عليه السلام دون أن يمسسها بشر.
