
ما كادَ القرنُ التاسع عشر أن يوشك على أن ينقضي إلا وكان العقلُ الغربي قد انتهى إلى نتيجةٍ مفادها أن ليس هناك ما يستدعي الاستمرار في القول بأن اللهَ موجود. ولقد اضطر العقلَ الغربي إلى الانتهاء إلى هذه النتيجة غير الموفقة ما كان سائداً وقتها من “أنماط تديُّن” أخفقت في تقديم ما من شأنه أن يضطرَّ هذا العقل إلى التسليم بألا مبرِّر هناك على الإطلاق للتوقف عن القول بوجود الله. ولقد فاقمَ الأمرَ سوءاً أنَّ عجز المؤسسات “الدينية” الغربية عن اجتراح ما هو كفيلٌ بإرغام العقل الغربي على الإذعان والتسليم بوجود الله قد تجلَّى في زمانٍ “تغوَّل” فيه العقلُ البشري تغولاً عزَّزته إنجازاتٌ غيرُ مسبوقة في كلِّ مضمار. وهكذا كان ما كان وأصبحت مقولة “الإله قد مات” (God Is Dead) هي السائدة!
ونخطئ إذ نظن أنه كان بمقدورنا أن نحولَ دون أن ينساق العقلُ الغربي إلى هذه النتيجة غير الموفَّقة، وذلك بأن نُمِدَّه بما تسنى لنا الوصولُ إليه من “حقائق” ومعارف ومنطق علمِ كلام! فما كان لكل ما بين أيدينا من “حقائق” ومعارف ومنطق علم كلام أن يحولَ دون تمكُّن تلك النتيجة غير الموفَّقة من عقول وقلوب السواد الأعظم من الناس في الغرب أواخر القرن التاسع عشر! فالذي كان بمقدوره حقاً أن يحولَ دون إنجرار العقل الغربي إلى الخوض فيما لا علمَ له به هو كرامةٌ واحدة لا أكثر من بين الآلاف المؤلفة من كرامات أولياء الله الصالحين، والتي وحدها مَن بمقدورها أن تضطرَّ أيَّ عقلٍ إلى وجوب الإقرار بأنها ما كان لها أن تحدث لولا أن اللهَ حيٌّ حقاً، وذلك طالما استحال على هذا العقل أن يُعلِّل لها تعليلاً يتوافق مع منظومته المعرفية!
