
عجيبٌ لأمر مَن يتجاسر على الله بظنٍ ووهم! فكيف عنَّ للبعض منا أن يقولَ بأن اللهَ تعالى خلقَ خلقاً من العدم؟! فلو أن هذا البعض تدبَّر القرآنَ العظيم لتبيَّن له فسادَ هذا الظن الذي اجترأ به على اللهِ تعالى. فقرآنُ الله العظيم ليس فيه ما يؤيد مَن يقول بالخلق من عدم، وذلك لأن الخلق في القرآن العظيم إما أن يكون “خلقاً مُشيَّئاً”، أو يكون “خلقاً لدُنياً”.
فاللهُ تعالى خلق الإنسان من تراب (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) (20 الروم)، وخلق كلَّ دابةٍ من ماء (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) (من 44 النور)، واللهُ تعالى خلق الجنَّ من مارجٍ من نار (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (15 الرحمن). وهكذا تُفصِّلُ آياتُ القرآن العظيم تنويعات متعددة لهذا النوع من الخلق: “الخلق المُشيَّء”، والذي هو عبارة عن خلق الله تعالى لشيء من شيءٍ آخر.
أما “الخلق اللدُني”، فهو الخلق الذي ابتدأ به اللهُ تعالى الخلق، وهو خلقٌ للأشياء لا من عدم، وليس من أشياءٍ أخرى، ولكنه خلقٌ من لدن الله تعالى، وذلك مصداق قوله تعالى (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) (17 الأنبياء). و”الخلق اللدُني” هو الذي “ابتدأ” اللهُ تعالى به خلق السموات والأرض خلقاً استغرق ستة أيامٍ (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 3 يونس). قارن ذلك بـ “الخلق المُشيَّء” الذي خُلقت السموات السبع بموجبه (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9)وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11)فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصلت). فاللهُ “ابتدأ” خلق السموات والأرض “خلقاً لدُنياً”، من لدنه تعالى، بينما خلق السموات السبع “خلقاً مُشيَّئاً”.
