الحفظُ الإلهي لأبدانِ أنبيائه وأوليائه بعد الموت

ما كان اللهُ ليُساوي بين الظلماتِ والنور ولا أن يجعلَ الأمواتَ كالأحياء ولا أن يُماهي بين البحرين: العذبُ الفرات والملح الأُجاج؛ فذلك ظنُّ مَن لم يقدِر اللهَ حقَّ قدره فظنَّ بالله ظنَّ الجاهلية فعادَ عليه ذلك بما جعل منه يُخفِق في تبيُّن الحقائق والتمييز بينها وبين الأراجيف والأباطيل والأوهام! فاللهُ صاغَ الوجود صياغةً مُحكمَةً بهذا الذي بثَّه فيه من قوانين يتسلَّط بعضُها على بعضٍ في “تناغمٍ” و”تمايُزٍ” ليس بمقدورِ أحدٍ أن يفقه كُنهَ تمازجهما هذا إلاه تعالى.

وهكذا يتبيَّن لكلِّ مَن يتدبَّر كتابَ الوجود، من بعدِ طولِ تدبُّرٍ لقرآن الله العظيم، أن العقلَ البشري عاجزٌ عن أن يُحيط بكل هذه القوانين التي لا فقهَ حقيقياً لما يحدث في هذا الوجود إلا من بعد تشخيصها ومعرفتها كلِّها جميعاً. ومن ذلك ما جاءتنا به سورةُ سبأ من خبر ما حدثَ لبَدَن سيدِنا سليمان عليه السلام بعد موته (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (14 سبأ). فالجنُّ لم يستدلُّوا على موتِ سيدِنا سليمان عليه السلام بما يُستدَلُّ به عادةً على موتِ المخلوقات البايولوجية من تحلُّل وتفسُّخ، ولكنهم استدلوا على ذلك بسقوطه عليه السلام من بعدِ أن أجهزت دابةُ الأرض على عصاه التي كان يستند عليها!

وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على حفظ الله تعالى لبدَنِ سيدنا سليمان عليه السلام من التحلُّل والتفسُّخ بعد الموت. وهذه معجزةٌ من معجزاتِ الله تعالى التي اختُصَّ بها أنبياؤه الكرام وأولياؤه الصالحون، وهي معجزةٌ يعجز العقلُ البشري عن أن يُعلِّل لها وفقاً لما أحاطَ به من علمٍ بهذه الحياة الدنيا ومفرداتها.

أضف تعليق