
وردت كلمة “خلائف” أربع مرات في القرآن العظيم: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِين) (73 يونس)، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) (165 الأنعام)، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (14 يونس)، (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) (من 39 فاطر).
فما هو معنى كلمة “خلائف”؟
يُعينُ على تبيُّن هذا المعنى أن نستذكر ما جاءنا به قرآنُ الله العظيم من معنى لهذه الكلمة القرآنية الكريمة، ولكن بمبنى آخر، هو كلمة “خلفاء”: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) (من 69 الأعراف)، (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) (من 74 الأعراف)، (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) (من 62 النمل).
وهذا المعنى الذي تتشارك فيه وتقتسمه هاتان الكلمتان القرآنيتان الجليلتان هو ما بالإمكان أن نُحيط به بتدبُّرنا الآية الكريمة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة)، والآية الكريمة (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) (من 26 ص)، والآيات الكريمة: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (من 129 الأعراف)، (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) (133 الأنعام)، (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (57 هود)، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) (55 النور).
إذ يتبيَّن لنا بتدبُّر ما تقدَّم من آياتٍ كريمة أن الخليفة هو مَن يستخلفه اللهُ تعالى فيخلُف مَن سبقَه. والاستخلاف بهذا المعنى لا علاقة له من قريبٍ أو بعيد بالمعنى الذي يُصر عليه البعض إذ يظن أن الاستخلاف هو بأن يأتي اللهُ بقومٍ يخلفُ بعضهم بعضاً بالتزاوج والتوالد! فالاستخلاف يصف ما قد أصبح عليه المستخلَف من بعدِ إهلاك الله تعالى لمن سبقه وليس بما سيكون عليه الحالُ معه تزاوجاً وتوالداً!
وبذلك يكون معنى كلمة “خلائف” في القرآن العظيم ذا صلةٍ بالاستخلاف وليس بشيءٍ آخر مما يصول ويجول في أذهان مَن فاتهم أن يتبيَّنوا الصلةَ العضوية بين هذه الكلمة القرآنية الجليلة وجذرها اللغوي: “خليفة”.
