
تحدثتُ في المنشور السابق عن معنى العبارة القرآنية الجليلة “كلمة الله”، وبيَّنتُ أن هذا المعنى ذو صلةٍ بالمعنى الذي تنطوي عليه عبارة “فعل الله”، والذي هو كنايةٌ عن التدخل الإلهي المباشر في أحداث الوجود “قهراً” لقوانينه وتسلطاً عليها ينجم عنه ما هو كفيلٌ بجعل العقل المتدبِّر يُضطر إلى الإقرار بعجزه المطلق حيالَ ما يَعرِض له من تجليات “الفعل الإلهي” وهو يحاول جهده أن يُعلِّل له وفقاً لما استقر عليه نظامُه المعرفي القائم على أساسٍ مما تسنى له نظمُه وصياغتُه من تفاعلاته مع مألوفات هذا الوجود.
وبهذا المعنى ينبغي أن نتدبَّر الآيتين الكريمتين التاليتين: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27 لقمان)، (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (109 الكهف). فعبارتا “كلمات الله” و”كلمات ربي” لا علاقة لهما من قريبٍ أو بعيد بما يُظَنًّ ويُتوهَّم من معنىً يقودُنا إليه تأويلٌ غيرُ موفقٍ تكون بمقتضاه كلمة “كلمات” ذات صلةٍ بمعناها القاموسي والذي تواضعنا على الأخذ به وتوظيفه في لغتنا العربية الدارجة. فكلمة “كلمات” في هاتين الآيتين الكريمتين تعني وفقاً لما تبيَّن لنا من معنى تنطوي عليه عبارة “كلمة الله” هو “أفعال الله” المتجلية بتدخُّله الإلهي المباشر في أحداث الوجود معجزاتٍ وخوارق عادات تُعجِزُ العقلَ البشري عن أن يُعلِّل لها تعليلاً يستند إلى ما تسنى له الوقوع عليه من قوانين هذا الوجود.
وبذلك يتبيَّن لنا أيضاً أن عبارتَي “كلمات الله” و”كلمات ربي” لا تشيران من قريبٍ أو بعيد إلى ما هو ذو صلةٍ بقول الله وحديثه، كما يضطرُّنا إلى ذلك التأويل غير الموفَّق لهاتين العبارتين الجليلتين وفقاً لما نظن ونتوهم.
