
انتهيتُ في المنشور السابق إلى أن نفس الإنسان عند المتصوفة هي غير تلك النفس التي أشبعها السايكولوجيون بحثاً ودراسة. فنفس الإنسان عند السايكولوجيين لا علاقةَ لها من قريبٍ أو بعيد بنفسه التي ينصحه المتصوفة بأن يتصدى لها بالمجاهدة حتى يُكتَبَ له النجاة في الدنيا والآخرة. فالسايكولوجيون لا قدرةَ لهم إطلاقاً على أن يسبروا أعماق الدماغ البشري وصولاً إلى تلك المكامن السحيقة الدفينة منه، والتي استوطنتها النفسُ قبل آلاف السنين وذلك قبل أن يتسنى لهذا الدماغ أن تتسلط عليه “النفسُ” التي لا يعرف السايكولوجيون غيرها. فكيف تأتى إذاً للإنسان أن يُصابَ دماغُه بالنفس التي شخَّصها المتصوفةُ عدوَّه اللدود، ونصحوا له بالتالي أن لا يسمع لها وأن يُخالفَها بكلِّ ما أوتي من قوةِ إرادةٍ وحزمٍ وعزيمة، مجاهدةً لها في الله حقَّ الجهاد؟
لا يملك العلمُ الوضعي، ومن ذلك ما بين أيدي السايكولوجيين من معرفةٍ بـ “نفس” الإنسان، أيَّ أثارةٍ من علمٍ تُمكِّنُه من تبيُّن تلك المناطق من الدماغ البشري التي توغَّلت فيها النفسُ التي يقول المتصوفة عنها إنها شرُّ ما ابتُلي به الإنسان. فالعلمُ الوضعي محدودٌ بحدودِ ما قُدِّر له أن يتفاعلَ معه من مفردات هذا الوجود، وبالتالي فهو غيرُ قادرٍ على أن ينفذ ببصيرتِه إلى ما يتجاوزُ هذه الحدود التي تُكبِّلُه بأغلال وقيود لا قدرةَ له على أن يُحطِّمها.
وحده الدين الإلهي هو مَن بمقدوره أن يُطِلَّ على ما هو كامنٌ من وراء هذه “الحدود المعرفية” التي قُدِّر لعقل الإنسان أن يبقى محدَّداً بها فلا قدرةَ له بالتالي على تجاوزها. فدينُ الله تعالى جاءنا بخبرِ ما حدث للإنسان قبل آلاف السنين عندما أسكنَه اللهُ تعالى جنَّتَه التي أُبيح له أن يأكل من جميع شجرها إلا شجرةً بعينها، فما كان منه إلا أن خالف عن أمرِ اللهِ تعالى فأكلَ منها، فكان حقيقاً على اللهِ أن يبتلِيَه بنفسٍ وهوى هما صنيعةُ ما قد تضرَّرَ من دماغه جراء تلك الأكلة المحرَّمة.
وبذلك يتبيَّن لنا أن النفسَ التي ابتُلي بها الإنسانُ هي في حقيقة الأمر ليست إلا جِماعَ كلِّ ما قد تضرَّر في دماغ الإنسان جراء أكله من شجرةِ الجنة التي نُهي عنها.
