
يُلِحُّ المتصوفةُ على أن للإنسانِ نفساً لابد له من أن يتعهَّدها بالمجاهدة حتى يكون له أن يحيا دنياه حياةً طيبة وأن يُنجِّيَه اللهُ من نارِ جهنمَ ويُدخِلَه الجنةَ خالداً فيها أبداً. والنفسُ عند المتصوفة هي مدارُ انشغالهم ومركزُ دائرةِ اشتغالِهم، وهي المقصودةُ بتعبُّدِهم وتديُّنِهِم، وذلك طالما ثبتَ لديهم أنَّها تُخالِطُ العملَ وتُمازجُه فتجعلُهُ أبعدَ ما يكون عن أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى. فالعبادةُ إما أن تكونَ بتقوى الله حقَّ تُقاتِه وإلا فهي مشوبةٌ بكلِّ ما من شأنه أن يُحبِطَها فلا يجعل للمتعبِّد حظاً منها فيحولُ ذلك بالتالي دون أن ينتفعَ بها الانتفاعَ الذي ما أُمِرَ بها إلا ليحظى به. ولذلك انشغل المتصوفةُ بالنفسِ يُجاهدونها حقَّ الجهاد بعدما تبيَّن لهم ألا وصول إلى الله تعالى بقلبٍ تمكَّنت منه النفسُ وتحكّم فيه هواها.
ولكن السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن هو: هل هناك من تطابقٍ بين النفس التي يُشدِّد المتصوفة على وجوب مجاهدتها، والنفس التي يُصرُّ السايكولوجيون على ألا صحةَ عقلية، وبالتالي بدنية، للإنسان إلا بصحَّتها؟!
إن تبيُّن ما جاء بشأن النفس عند المتصوفة وعند السايكولوجيين سينتهي بنا لا محالة إلى وجوب الإقرار بألا تطابقَ هناك على الإطلاق بين النفس عند هؤلاء وأولئك. فالنفسُ عند السايكولوجيين لا علاقةَ لها بحالِ الإنسانِ مع اللهِ تعالى؛ فهي نفسٌ مرتبطةٌ بتلك الجوانب من دماغ الإنسان ذات الصلة بتنشأتِهِ ضمن الأسرة، ومن ثم المجتمع، ويُخالِطُ هذا وذاك شيءٌ مما يتحتَّم على الفرد أن يكابدَه جراء ما ورثه عن أبويه.
ولذلك فإنه لمن الخطأ الجسيم أن نُماهي بين النفس كما يعرفها المتصوفة، وبين “النفس” التي يُعرِّفُها السايكولوجيين.
