“جاء أمرُ الله”

وردت عبارة “جاء أمرُ الله” في القرآن العظيم بمعنى “آنَ أوان التدخُّل الإلهي المباشر بقول اللهِ تعالى “كن فيكون””. ولقد تنوَّعت تجليات هذا التدخُّل الإلهي المباشر تنوعاً يتجلى فيه عظيمُ قدرةِ اللهِ تعالى، الذي وإن خُيِّل لكثيرٍ من الناس أنه قد أرجأ تجلِّيه المتسلِّط على وقائع وأحداث الحياة الدنيا إلى يوم القيامة، فإنه، وعلى العكس من ذلك، قادرٌ على أن يُفعِّل حضورَه الإلهي في هذه الحياة الدنيا تفعيلاً له أن يتجلى ظاهراً لا باطناً. وهذا ما بإمكاننا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا كلَّ ما جاء في القرآن العظيم من آياتٍ كريمة اشتملت على تنويعاتٍ متعددة لهذا “التجلِّي الإلهي” في هذه الحياة الدنيا: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) (من 78 غافر)، (حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ) (من 14 الحديد)، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (40 هود)، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) (58 هود)، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (66 هود)، (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) (76 هود)، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (82 هود)، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (94 هود)، (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (101 هود)، (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (27 المؤمنون).

يتبيَّن لنا بتدبُّر ما تقدَّم من آياتٍ كريمة أن معنى “جاء أمر الله” بإمكاننا أن نحيط به إذا ما نحن استذكرنا أن هذا المعنى وثيقُ صلةٍ بحلول أوان التدخُّل الإلهي المباشر في أحداث الوجود وبما يتكفَّل بخرق العوائد خرقاً يتحقَّق بمقتضاه مرادُ الله. فمرادُ الله سيتحقق بتدخُّله الإلهي المباشر هذا وإن كان ذلك يمثِّل خرقاً لتلك القوانين الإلهية التي سبق لله تعالى وأن حكَّمها في هذا الوجود. فقوانين التدخل الإلهي المباشر هذه لها أن تتسلَّط على ما سبقها من قوانين إلهية سارت بمقتضاها وقائع وأحداث الوجود حتى “جاء أمرُ الله” فعطَّل من تلك القوانين ما شاءت إرادتُه واقتضت حكمتُه.

أضف تعليق