ما هو معنى “بِالْغَيْبِ” في القرآن العظيم؟

يظن كثيرٌ منا أن “الإيمانَ بالغيب” هو لا أكثر من أن يؤمنَ الواحدُ منا بمفرداتٍ لا تنتمي إلى “عالَمِ الشهادة” الذي خلقنا اللهُ تعالى لنحيا الحياةَ الدنيا فيه. فالإيمان بالغيب إذاً عند هؤلاء هو إيمانٌ بمفرداتٍ غيبية تنتمي إلى “عالَم الغيب” كالبعث والحساب، والنار والجنة، والملائكة والجن. وهذا ظنٌ لا يستقيم مع ما جاءنا به قرآنُ الله العظيم الذي يُبيِّن تدبُّرُ الآياتُ الكريمة التي اشتملت على الكلمة القرآنية الجليلة “بالغيب” أن الأمرَ خلافُ ذلك: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (من 3 البقرة)، (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) (من 94 المائدة)، (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) (من 61 مريم)، (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (من 49 الأنبياء)، (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (من 18 فاطر)، (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) (من 11 يس)، (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) (من 33 ق)، (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) (من 25 الحديد)، (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (12 الملك).

فالإيمان بالله بالغيب، وخشية الله بالغيب، ونُصرةُ الله ورسُله بالغيب، وخوف الله بالغيب، كلها جميعاً عباراتٌ تنطوي على توصيفٍ لهذا الذي يجعلُ من المؤمنين على هذا الحال المتميز مع الله تعالى والذي استحقوا بموجبه أن يمتدحهم قرآنه العظيم. فهؤلاء المؤمنون بالله تعالى حقَّ الإيمان قد آمنوا به غيباً لا شهادة. فاللهُ تعالى في هذه الحياة الدنيا قد شاء أن يحتجب عن أعيُن الخلق فليس لهم بالتالي أن يبصروه. والمؤمنون بالله حقَّ الإيمان هم الذين آمنوا به تعالى على الرغم من احتجابه هذا. وهذا أمرٌ جلَلٌ لا يقوى عليه إلا مَن تمكَّن الإيمانُ من قلبه وصفى عقلُه من أيةِ شائبةٍ من شوائب النفس وهواها.

أضف تعليق