
خلق اللهُ تعالى الإنسانَ ذكراً وأنثى لعبادته (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56 الذاريات). وزوَّد اللهُ تعالى الإنسانَ، ذكراً وأنثى، بعقلٍ يُعينُه على هذه العبادة. فكيف يستقيمُ إذاً أن يمايزَ اللهُ تعالى بين الذكر والأنثى فيجعلَ عقلَ الذكر أرجحَ من عقل الأنثى؟!
يتبيَّن لنا بتدبُّر هذه الحجة مدى الضلال البعيد الذي انتهى إليه هؤلاء الذين يُمايزون بين عقل الذكر وعقل الأنثى لغايةٍ في قلوبهم التي تمكَّنت منها النفسُ وتسلَّط عليها الهوى. ونحن إذا ما تتبَّعنا الماضي التطوري للإنسان فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن أن القول بوجود فروقاتٍ بين عقل الذكر وعقل الأنثى ليتناقض مع ما يضطرُّنا هذا الماضي إلى الإقرار به. فعقل الأنثى لا يختلف في شيء عن عقل الذكر ذكاءً وإبداعاً وعبقرية. وإذا كانت هناك ثمة من فروقاتٍ بين الذكر والأنثى، فإن هذه الفروقات ينبغي أن يُنظَر إليها من منظار ما يتمايز به الاثنان عن بعضهما وجداناً وعاطفةً وغير ذلك مما هو ذو صلةٍ بما يتناشز به كلاهما وفقاً للدور الذي أوكِل إليهما القيامُ به، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بنشر الحياة البايولوجية البشرية على الأرض أباً وأماً.
فالأنثى هي غير الذكر وجداناً وعاطفةً لا عقلاً وفكراً. وهذا التمايز الوجداني بين الذكر والأنثى هو ما ينبغي أن نشدِّد عليه حتى يكون بمقدورنا أن نفقَهَ العلةَ من وراء تباين الدوافع العاطفية المحفِّزة والمحرِّكة لكلٍّ منهما. ولذلك فإن كلَّ كلامٍ عن تساوي الذكر والأنثى ما هو إلا تنظيرٌ لا يستند إلى الوقائع، ويفنِّد ذلك الماضي التطوري لكلٍّ منهما. فيكفينا أن يكون عقل الأنثى مكافئاً بالتمام والكلية لعقل الذكر، كما ويكفينا أن نستذكر على الدوام ما استطعنا أن عاطفةَ الأنثى لا يمكن على الإطلاق أن تضاهيها عاطفة الذكر، وأن القولَ بخلاف ذلك سيجعلنا نقع في أخطاء جسيمة تكفينا نظرةٌ واحدة إلى ما هم عليه رجالنا ونساؤنا حتى ندرك فداحة هذه الأخطاء!
