
وردت عبارة “ذو حظٍّ عظيم” مرتين في القرآن العظيم. ونحن إذا ما تدبَّرنا السياق القرآني الذي وردت فيه هذه العبارة الجليلة في هاتين المرتين، فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن استحالةَ المطابقة بينهما. فلقد وردت عبارة “ذو حظٍّ عظيم” مرة في سياق حديث القرآن العظيم عن قارون الذي أوغرَ صدورَ حاسديه من عشاق الدنيا فقالوا فيه (إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، ومرة أخرى في سياق حديث القرآن العظيم عما ينبغي أن يكون عليه الذين آمنوا وعملوا الصالحات من إحسانٍ وصبر يعودان عليهم بما هو كفيلٌ بجعل من عاداهم ينقلبُ ولياً حميماً: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (34 -35 فصلت). فشتان ما بين الحظ العظيم الذي منَّ به اللهُ تعالى على عباده المحسنين الصابرين، و”الحظ العظيم” الذي توهَّمه حُساد قارون ممن تبيَّنوا لاحقاً فداحة ما كانوا عليه من خطأ جسيم بعد أن خُسف بقارون “ذي الحظ العظيم”!
فما السبيل إذاً إلى الحظ العظيم هذا الذي امتدح اللهُ تعالى به مَن حظاهم به من عباده المحسنين الصابرين؟ يتبيَّن لنا بتدبُّر آيتَي سورة فصلت الواردتَين أعلاه أن الأمرَ قوامُه أن يتملَّكَ قلبَ العبدِ إحسانٌ تُقابَل بمقتضاه سيئةُ مَن بينك وبينه عداوةٌ بالحسنة، ويُخالِطُ هذا الإحسانَ ويُمازجُه صبرٌ جميل على إساءتِهِ وأذاه. فإذا ما تحقق للعبد أن يشتملَ قلبُهُ على هذا القدر من الإحسان المشوب بالصبر، فلن يكون بالعسير على الله تعالى أن يجعلَه ذا حظٍّ عظيم يتجلى بانقلاب عدوِّه اللئيم ليصبح ولياً حميماً.
وكلُّ هذا يندرج في سياق ما يُشدِّد عليه أهلُ اللهِ تعالى من وجوب أن يخرقَ العبدُ من نفسه العوائد حتى يخرق اللهُ تعالى له العوائد. فالنفوسُ جُبِلت على مقابلة الإساءةِ بالإساءة، وهذا هو ما اعتادته النفوس التي أُحضرت فيما أُحضرَت الشح. فإذا أردتَ أن تكون ذا حظٍ عظيم، فما عليك إلا أن تضطرَّ نفسَك إلى ملازمة الإحسان والصبر على إساءةِ المسيئين.
