عقلُ الإنسانِ بين الإلحاد والإيمان!

شاعَ في الناسِ وراجَ ظنٌ واهمٌ مفادُه أنَّ أيَّ إنسانٍ إذا ما هو أعملَ عقلَه قليلاً فإن ذلك سوف يفضي به لا محالة إلى وجوب الإقرار بأن اللهَ حقٌّ، وأن وجودَه لاشك فيه! وهذه مبالغةٌ في تقدير رجاحة وسلامة العقل البشري الذي يُخطئ كلُّ مَن توهَّمه كياناً منطقياً متسقاً دون أن تخالطه تناقضاتٌ يستقيمُ معها القولُ بالشيء ونقيضه في الوقت ذاته!

فعقلُ الإنسان ينطوي على ما ليس باليسير تبيانُه، وبالتالي إحصاؤه، من الأحكام المسبقة والأفكار المغلوطة والتي تتعاضدُ كلُّها جميعاً لتجعل منه أبعدَ ما يكون عن “العقل المثالي” الذي نظنُّ أننا قد حضينا به كـ “مكافأةٍ تطورية” استحقها النوع الإنساني فأصبح بمقتضاها عقلُ الإنسان منارةَ الهدى وآلة الصواب! ولا أدلَّ على ذلك من أن حيازةَ العقل لا تقتضي بالضرورة أن يكون حائزُ العقل مؤمناً بالله تعالى! فالتاريخ يشهد، والواقعُ يؤيد، بأن كثيراً من عقلاء بني آدم هم أكثرُ الناس نأياً وابتعاداً عن كلِّ ما يجعلُ الواحدَ منا مؤمناً بالله حقَّ الإيمان! فأن تكونَ ذا عقلٍ سليمٍ راجح لا يلزم عنه بالضرورة وجوبُ أن تكونَ ذا قلبٍ سليمٍ من تسلُّطِ النفسِ وتحكُّم الهوى! فالإيمانُ بالله أمرٌ تفرضه أنت على عقلك فرضاً فيُعيدُ صياغتَه وبما يجعلُ منه العقلَ المؤمنَ الذي لا وجهَ هناك للمقارنة بينه وبين عقلك قبل أن تُحكِّم فيه هذا الإيمان.

إذاً آمن بالله أولاً ثم كُن من بعد ذلك ذا عقلٍ لا يزحزحُه عن اليقين شيء، وإلا فالعقلُ وحده لا قدرةَ له على أن يجعلَك المؤمنَ المثالي الذي خُلقنا مؤهَّلين لنكونه.

أضف تعليق