ليس كلُّ المكرِ بسيء!

ذكرتُ في العديد من المنشورات السابقة أن تدبُّر القرآن العظيم يقتضي منا وجوبَ ألا نُصِرَ على قراءةِ آياتِه الكريمة قراءةً لا تتبيَّن اللسان العربي المبين الذي تنزَّلت به هذه الآيات. فكثيرٌ من آياتِ القرآن العظيم لا تُفصح عما انطوت عليه من معنى إن نحن قرأناها بلساننا العربي الذي اعوجَّ على مر الزمان. وحدها القراءةُ التي تعتمد هذا الوعي بتمايز لسان القرآن العربي المبين عن لساننا هي من بمقدورها أن تقع على معنى تلك الآيات الكريمة التي يتجلى فيها هذا التمايز بين هذين اللسانين.

فالمكرُ في القرآن العظيم هو غيرُ المكر عندنا، وذلك لأننا نظنُّ أن المكرَ لا يليقُ إلا بمن ساءت خصالُه وتردَّت أحوالُه فاستحق بذلك أن يُنعتَ بهذه الصفة التي هي عندنا دليلٌ على أن صاحبَها أبعدُ ما يكون عن الاتصاف بما يتميَّز به الصالحون. وهذا ظنٌ يدحضُه ويفنِّدُه ما جاءنا به قرآنُ الله العظيم من أن لله تعالى مكراً يفوقُ كلَّ مكر إذ أنه تعالى خير الماكرين: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (54 آل عمران)، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (من 30 الأنفال).

ويعزِّز ذلك ما جاءتنا به سورةُ فاطر من خبرِ مآل “المكر السيء”: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ). فكما أن هناك مكراً سيئاً تُشير إليه هذه الآية الكريمة، فإن هناك أيضاً مكراً صالحاً هو مكرُ اللهِ تعالى ومكرُ أوليائه الصالحين.

أضف تعليق