العقلُ السليم والقلبُ السليم

كفى بالإنسانِ ضلالةً وجهالةً وظلماً ألا يكونَ بمقدورِه أن يتصوَّرَ حلاً ينتشلُهُ مما هو فيه من نأيٍ وابتعادٍ عن الحقيقة، وإن كان يظنُّ خلاف ذلك بهذا الذي هو عليه من خوضٍ في متاهات الأباطيل والأوهام! فالإنسانُ مفتونٌ بنفسِه وإلى الحد الذي يجعلُه يظن أن أقصى ما يتوجَّب عليه أن يسعى لبلوغه هو “عقلٌ سليم” يُتيحُ له أن يُحيطَ بكل ما هو ذو صلةٍ بالحقيقةِ التي هي عنده قابَ قوسينِ أو أدنى من عقلِهِ السليمِ هذا!

وبذلك فلقد حكمَ الإنسانُ على نفسِه بأن يبقى أسيرَ هذه الظنون والتصورات والأوهام فلا قدرةَ له بالتالي على أن يُدرِك أن الطريق إلى الحقيقة يقتضي منه وجوبَ أن يسعى ليكون ذا قلبٍ سليم، وأن سلامةَ العقلِ ورجاحتَه ليستا الضامنَ لحصولِه على هذا القلب السليم الذي لن يكون بمستطاعِهِ أن يتبيَّنَ الحقيقةَ حقيقةً من دونه! فالعقلُ السليم قد يُعينُ الإنسانَ على تبيُّن طريقَه في هذه الحياةِ الدنيا، إلا أن الطريقَ إلى الآخرة يستدعي غيرَ ما بوسع هذا العقل السليم أن يُقدِّمَه ويؤمِّنَه للإنسان. فالدنيا يكفيكَ لتتسيَّدَها أن تسعى جاهداً حتى تكونَ ذا عقلٍ سليم وحظٍ دنيوي عظيم. إلا أن هذا لن يكفيك أبداً حتى تأتيَ اللهَ يومَ القيامةِ بقلبٍ سليم!

إن الطريقَ إلى القلب السليم شاقٌّ وعسير طالما كان يقتضي منك وجوبَ أن تعملَ على تطهيرِ قلبِك من دنَس النفسِ ورجسِ هواها، وهذا أمرٌ جلَلٌ لا يقوى عليه إلا أصحابُ الهِمَم العالية والعزائم المتَّقدة إرادةً وإصراراً على تطويعِ النفس وترويضِ هواها حتى لا يكونَ بمقدورهما أن يُعرقِلا ارتقاءكَ إلى ما خُلقتَ مؤهَّلاً لتكونَه: إنساناً كاملاً بقلبٍ سليمٍ من كلِّ داءٍ وسقَم يحولانِ دون أن يصبحَ قلبُك عرشاً للرحمن.

أضف تعليق