العلم الوضعي والدين الإلهي

أنزلَ اللهُ تعالى قانونَه الإلهي وفصَّله شِرعةً ومنهاجاً ألزمَ بهما رسلَه وأنبياءَه ومن شاء أن ينتهجَ نهجَهم ويقتديَ بهُداهم. وهذا القانون الإلهي يتعالى على الزمان والمكان والإنسان فلا حدودَ تُقيِّدُهُ فتجعلُ تطبيقَه رهناً بهذا أو ذاك من الشرائط التي لابد من توافرِها حتى يكونَ هذا التطبيقُ ملزِماً. قارن ذلك بـ “القانون الوضعي” الذي يدلُّ اسمُهُ على أن الإنسانَ هو من قام بوضع بنودِه وصياغةِ مفرداته. والقانون الوضعي هذا يتمايزُ عن القانون الإلهي بأنه محدَّدٌ بظروف لابد من أن تؤخذ بنظر الاعتبار قبل أن يدخلَ تطبيقُه حيِّزَ الإلزامِ والتنفيذ.

هذه مقدمةٌ بسيطة كان لابد من أن أبتدئ بها هذا المنشور الذي سوف أتطرق فيه إلى التعريف بالعلم الذي بين يدَي الإنسان على أنه “علمٌ وضعي” صاغ نظرياتِه عقلُ هذا الإنسان ووضع نماذجَه التفسيرية. وبذلك يتمايزُ العلمُ الوضعي عن الدين الإلهي بهذا الذي يجعلُ منه صنيعةً بشرية يمازجُها القصور ويخالطُها النقص مهما ظنَّ الإنسانُ خلاف ذلك! فالعلمُ الوضعي لا يملكُ أن يجزمَ بأن ما يقولُ به هو “الحقيقة المطلقة”، وذلك طالما كان هذا العلمُ هو نتاجُ عقلِ الإنسان الذي هو بحكم التعريف محدَّدٌ بما تسنى له التفاعلُ معه من مفرداتِ هذا الوجود الذي لا يمكن على الإطلاق أن نصدِّقَ أن ما قُيِّض لعقلِ الإنسان أن يحيطَ به منها هو كلُّ ما هنالك.

إذاً فالعلمُ الوضعي له أن يُدلي بدلوِه فيكونَ لنا أن نتعرَّفَ به على “شيءٍ من الحقيقة”، أما الحقيقةُ الكاملة فلا سبيلَ للوصولِ إليها إلا بأن نستعينَ بالدينِ الإلهي الذي وحدَه مَن بمقدوره أن يأخذَ بأيدينا إلى “برِّ الأمان المعرفي” فيتسنى لنا بذلك أن نقعَ على ما خفيَ من هذه الحقيقة وهو جانبُها الأعظم!

أضف تعليق