“وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ”

جُبِلَ الإنسانُ على الشُّح خَصيصةً هي من أبرز الخصائص التي يتمايز بها عن غيره من المخلوقات البايولوجية التي وإن افتقرت إلى ذكائه الحاد وعبقريته الفذة، فإنها تبقى مع ذلك كلِّه متفوقةً عليه بهذا الذي هي عليه من انعدام أية أثارةٍ من هذا الشّح. ولقد بشَّرنا القرآنُ العظيم بأن مَن يعمل جاهداً على تحرير نفسِه وتجريدِها من شُحِّها فإنه سيكون من المفلحين (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (9 الحشر).

فكيف تأتى للإنسانِ إذاً أن يُبتلى بهذا الشُّحِ ويُحضرَه (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (من 128 النساء). فإذا كان الماضي الحيواني للإنسان عاجزاً عن أن يُقدِّم ما من شأنه أن يُعين على تبيُّن علةَ إصابته بهذا الداء الوبيل، فكيفَ أُصيبَ به إذاً؟!

يُحيلُنا عجزُنا عن الإجابةِ على هذا السؤال المهم إلى استذكارِ صفحاتٍ أخرى من ماضي الإنسان غير تلك التي لا يعرف العلمُ الوضعي سواها. فإذا كان العلمُ الوضعي ينظر إلى الإنسانِ فيراهُ إبنَ الطبيعةِ وصنيعتَها، فإننا غيرُ ملزَمين على الإطلاقِ بأن نلزمَ وجهةَ نظرهِ هذه طالما استعصى عليه أن يُقدِّم لنا التصورَ الصائب لذاك الذي حدث في ماضي الإنسان البعيد فجعلَه شحيحَ القلب والفؤاد والعقل والنفس والروح والهوى!
فالشُّحُ هو ليس أن تبخلَ على الآخرين بمالِك فحسب، ولكن الشحَّ هو كلُّ ما يجعلُك تضنُّ وتبخل بالكلمةِ الطيبة والإحسان إلى كلِّ مَن أساءَ إليك. وبذلك يتبيَّن لنا أن الشُّح يضربُ عميقاً بجذورِه في الكيان الإنساني الذي جُبِل على أن يبادرَ إلى الإساءة، وأن يُقابلَ الإحسانَ بالإساءة، وأن يردَّ على الإساءةِ بالإساءة أو بأسوأ منها.

وهكذا يتبيَّن لنا أن تغلغلَ الشُّح في النفس البشرية إلى هذه الدرجة لابد وأن يكونَ مرجعُه ذا صلةٍ بما حدثَ للإنسان بُعيدَ أكلِهِ من شجرةِ الجنةِ التي نُهي عنها، وذلك طالما عجزَ الماضي الحيواني للإنسان عن أن يُعلِّل لهذا الذي هو عليه من شحٍ يتملَّكُه بالتمام والكلية. فتلك الأكلةُ الآثمة هي التي تسببت في جعلِ الإنسانِ شحيحَ القلب والفؤاد والعقل والنفس والروح والهوى. فأكلُ الإنسان من الشجرة المحرمة إذاً هو الذي جعله يُحضَرُ الشُّحَ. والإنسانُ مُطالَبٌ من خالقِه اللهُ عز وجل بأن يجاهدَ نفسه حتى يتحرَّر من تسلُّطها عليه وتحكُّمها فيه فيبرأ من الشُّح الذي سيُخلِّدُه في نارِ جهنم إن هو لم يبادر إلى التجرُّد والتحرُّر منه.

أضف تعليق