
انتهيتُ في المنشور السابق إلى أن عجز ما بين أيدينا من آنثروبولوجيا يُحتّم علينا وجوبَ أن نشرعَ من فورنا في التأسيس لآنثروبولوجيا بديلة بمقدورها أن تُعينَنا على صياغةِ “تصورٍ أفضل” لقصة الإنسان نشوءاً وارتقاءً. ولقد تبيَّن لنا في ذلك المنشور أن هذه الآنثروبولوجيا البديلة تقتضي منا ضرورةَ ألا نقصرَ جهدنا المعرفي على ذلك الجانب من قصة الإنسان الذي كان كوكب الأرض مسرحاً لأحداثه. وهذا يُحيلُنا لا محالة إلى وجوب تصديق ما جاءتنا به الروايةُ الدينية بنصِّها القرآني المقدس من أن لقصة الإنسان فصولاً أخرى جرت أحداثها على كوكبٍ آخر غير كوكب الأرض.
وهكذا، وكما اضطرَّنا عجز آنثروبولوجيا العلم الوضعي عن تقديم التصور الأمثل لقصة الإنسان إلى وجوب التفكير في صياغة آنثروبولوجيا بديلة لنستكمل نواقصها، فإننا مضطرون، إزاء عجز الكثير من مباحث العلم المعاصر عن التصدي الفاعل لمفردات المشكلة الإنسانية، إلى وجوب القيام بوضعِ أُسس “علمٍ بديل” متحررٍ من كلِّ ما يُقيِّدُه من أفكارٍ مسبقة وافتراضاتٍ خاطئة بشأنِ هذا الوجود! وكما اضطررنا إلى إكمال نواقص القصة الإنسانية بالالتجاءِ إلى ما رفدتنا به الروايةُ الدينية بنصِّها القرآني المقدس، كذلك نحن مضطرون إلى اللجوء إلى هذا النص الإلهي المقدس مرةً أخرى حتى يكون لنا أن نؤسس لهذا “العلم البديل” على أساسٍ من استيعاب تلك “الظواهر الشاذة” التي آثر العلمُ الوضعي أن يُشيح بصره عنها وأن يغض الطرفَ عما بمقدورها أن تجيئنا به من مفرداتٍ ستعملُ على “تثوير” نظرتنا إلى الوجود بعامة وإلى الإنسان بخاصة. فإذا كان العلمُ الذي بين أيدينا اليوم قد نظمت كيانَه المعرفي وصاغَت بنيانه النظري نظرةٌ إلى الوجود تغافلت عن كمٍّ من ظواهره لا لشيء إلا لأنها ظواهر استعصت علينا فلم نتمكن من أن نُعلِّل لها وفقاً لما تسنى لنا وضعه من نظرياتٍ مادتها الخام ظواهر هذا الوجود المألوفة، فإن سبيلنا إلى العلم البديل يقتضي منا ضرورةَ أن نُعيدَ الاعتبار لكلِّ ظاهرةٍ من هذه الظواهر التي إن نحنُ أخذناها بنظر الاعتبار كان لنا أن نحظى بنظرةٍ متوازنةٍ متكاملة تتكفلُ بالإجابةِ على كثيرٍ من “الأسئلةِ العالقة” التي ستبقى بلا أجوبةٍ تشفي الغليل مادمنا غيرَ راغبين في التجرُّد والتحرُّر من كلِّ ما يُكبِّل ويُعيق تعاملنا المعرفي مع هذا الوجود، وعلى الوجه الذي يكفلُ لنا أن نقعَ على ما ينطوي عليه من حقائق.
