
تحدثتُ في منشوراتٍ عدة عن أهم ما ينبغي لمتدبِّر القرآنِ العظيم أن يقوم به حتى يتحقَّق له أن يقرأ آياتِه الكريمة قراءةً متدبِّرة. ولقد بيَّنتُ في تلك المنشورات أن جِماعَ الأمر قائمٌ على أساسٍ من قراءة القرآن العظيم بلسانه العربي المبين لا بلساننا العربي الذي اعوجَّ على مر الزمان. ثم أن تدبُّر القرآن العظيم لن يتأتى لقارئه إن هو لم يُحرِّر عقلَه من أيةِ أفكارٍ مسبقة تجعله عاجزاً عن أن يتبيَّن المعنى الحقيقي لآياتِه الكريمة بهذا الذي تُلقيه من ظلالٍ لن تنتهي به إلا إلى الضلال المبين.
وفي هذا المنشور سوف أتطرَّق إلى مثالٍ يبيِّن ما لهذه الأفكار المسبقة من عظيم تأثيرٍ سلبي على قراءتنا للقرآنَ العظيم قراءةً متدبِّرة. لنتدبّر الآيتين الكريمتين: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) (23 -24 الشعراء). فقراءة هاتين الآيتين الكريمتين دون تدبُّرٍ سيُفضي بنا لا محالة إلى الوقوع في محظور الظن الواهم بأن إجابةَ سيدِنا موسى عليه السلام على سؤال فرعون تنطوي على تعريفٍ بمعنى كلمة “العالمين” بأنه “السموات والأرض وما بينهما”! وهذا هو أبعدُ ما يكون عن الحقيقة التي كان بإمكاننا أن نتبيَّنها جليةً واضحة إن نحن تدبَّرنا هاتين الآيتين الكريمتين تدبُّراً يُمكِّننا من أن نتبيَّن أن إجابةَ سيدِنا موسى عليه السلام لم تكن إلا تعريفاً بالله رب العالمين وليست تعريفاً بـ “العالمين”!
