
ما كان اللهُ ليذرَ الإنسانَ في هذه الحياة الدنيا يقولُ ما يشاء ويفعلُ ما يشاء دون أن يوثِّق أقوالَه وأعمالَه في كتابٍ لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (28 -29 الجاثية)، (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (49 الكهف). ويُخطئُ الإنسانُ إذ يظن ويتوهم أن قصتَه سوف تنتهي بموتِهِ! فللقصةِ بقيةٌ شاء الإنسانُ أم أبى! صحيحٌ أن الأرضَ تُنقِصُ من الإنسانِ بموتِه ما نعلم ليصبحُ عظاماً ورفاتاً، إلا أنها لن يكون بمقدورِها على الإطلاق أن تنال مما سطَرَهُ كتابُ الله من أقوالِ الإنسانِ وأفعالِه (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيب. أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد. قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (2 -4 ق). فهذا الكتابُ الحفيظ هو كتابُ أقوالِ وأعمالِ بني آدم والذي سيشهدُ عليهم يوم القيامة.
كما أن للهِ تعالى كتاباً آخر تُحفظُ فيه الأنفُس بعد موتها فتلبث في هذا الكتاب حتى يجيءَ يومُ البعث فتُبعَث لتُحاسَب (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (55 -56 الروم).
إذاً فالإنسانُ يُقلِّبُهُ اللهُ تعالى من كتابٍ إلى كتاب في دُنياه وبعد مماته ويومَ يبعثُه ليُحاسِبه على ما جنته يداه.
