
ما كان اللهُ ليُنزِّلَ القرآنَ على قلب سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم دون أن يُسخِّرَ له ما يشهدُ بأنه منزَّلٌ من عنده تعالى حقاً. فالقرآنُ العظيم يحفلُ بالعديد من الآيات الكريمة التي يتبيَّنُ لمتدبِّرها أن هذا القرآنَ يكفيه شهادةً على إلهيته أن يشهد له بها علماءُ أهل الكتاب الذين عاصروا تنزُّلَه وتبيَّن لهم التماثلَ والتطابقَ التامَّين بين نصِّه الإلهي المقدس وبين ما بين أيديهم من نصوصٍ إلهيةٍ مقدسةٍ هي الأخرى تحتويها التوراة والإنجيل.
وهذا ليس بالأمر المستغرب طالما كانت الرسالةُ الإلهيةُ واحدةً على مر الزمان (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) (43 فصلت)، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (10 الأحقاف)، (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (48 -49 العنكبوت)، (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا. قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) (106 -108 الإسراء)، (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِين) (52 -53 القصص).
ونحن إذا ما تدبَّرنا ما تقدم من آياتٍ كريمة فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن ما تقصد إليه الآية الكريمة 23 السجدة (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ). فاللهُ تعالى أمرَ رسولَه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بألا يُداخلَه شكٌّ في هذا الذي قد تناهى إليه من تماثلٍ وتطابقٍ بين قرآن الله وتوراتِه. فاللهُ تعالى هو الذي أنزلَ كلاً منهما. فتلاقي القرآن والتوراة على ذات الحقائق هو الدليل على إلهية هذا القرآن الذي تشهدُ له هذه التوراة بأنه لا يمكن أن يكون من عند غير الله الذي سبق وأن أنزلها على سيدنا موسى عليه السلام.
