
نُخطئ إذ نظنُّ أن بمقدور العقل البشري أن يُحيطَ بقدرةِ الله تعالى فيُحدِّد تجلياتِها على ما هي عليه حقاً وحقيقة! فالعقلُ البشري محدودٌ بحدودٍ يضطرُّ معها إلى أن تكونَ إحاطتُه المعرفية بمفردات هذا الوجود مُحدَّدةً غيرَ مطلقة. ولذلك فإنه لمن المستحيل أن يكون بمستطاع عقولنا أن تُلِمَّ بكلِّ تجلٍّ من تجليات القدرة الإلهية التي امتلأ منها الوجودُ مخلوقاتٌ وموجودات ليس لنا إليها من سبيلٍ يُيسِّر علينا إحصاءها. ويُضافُ إلى ما تقدَّم من عجز العقل البشري عن الإحاطة بتجليات القدرةِ الإلهية عجزٌ آخر فصَّلته لنا الآيتان الكريمتان 27 لقمان و109 الكهف (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).
فبتدبُّر هاتين الآيتين الكريمتين يتبيَّن لنا أننا عاجزون العجزَ كلَّه عن أن يكونَ بوسعِنا أن نُحيطَ بما هو قادرٌ عليه اللهُ تعالى! فالله هو القادر على كلِّ شيء، وقدرتُه تعالى لا ينبغي لنا أن نظن بها غير الحق فنتوهَّم أنها قدرةٌ محدودةٌ بهذا الذي خلقه الله تعالى في السموات والأرض! فاللهُ تعالى قادرٌ على أن يخلقَ ما ليس بمقدور عقولِنا أن تتصوَّره. ولذلك فإن من الخطأ الجسيم أن نردد القولَ الشائع “ليس في الإمكان أبدعُ مما كان”! فالله تعالى هو القادرُ دائماً أبداً على أن يُذهِل العقلَ البشري بعجيب المخلوقات وغريبها، وهو القادرُ دائماً أبداً على أن يضطرَّ هذا العقل إلى الإقرار بعجزِه حيالَ القدرة الإلهية التي لا تنفد تجلياتُها.
