لماذا فتنَ اللهُ سيدَنا سليمان بالجسد؟

جرياً على ما اقتضته إرادةُ الله ومشيئتُه من فتنةٍ لأنبيائه ورسلِه الكرام عليهم السلام، فلقد فتنَ اللهُ سيدَنا سليمان وذلك كما فصَّلته الآية الكريمة 34 ص (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ). فما الذي أراده اللهُ تعالى بفتنتِه هذه لسيدِنا سليمان؟

يُعينُ على تلمُّسِ إجابةٍ على هذا السؤال أن نستذكرَ فتنةَ اللهِ تعالى لسيدِنا داود والد سيدنا سليمان؛ هذه الفتنةُ التي فصَّلتها الآياتُ الكريمة 21 -26 ص (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ(21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ(22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ(24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ(25) يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب).

فلقد أرسل اللهُ تعالى ملكَين تمثَّلا لسيدنا داود بشرَين وكان ما كان من أمرهما معه عليه السلام من فتنةٍ تبيَّنها سيدُنا داود بهذا الذي جاءاه به من قصةٍ ذكَّرته بما كان عاقِدَ العزمِ عليه من أمرٍ كان ليجعلَه إن هو أقدمَ عليه من أولئك الذين قال هو في حقهم بأنهم “يبغي بعضُهم على بعض” لأنهم ليسوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات! فما كان منه عليه السلام إلا أن تبيَّن أنَّ ما ينبغي عليه القيامُ به هو الإحجامُ عما كان ينتوي فعلَه.

وهكذا، فلقد فتنَ اللهُ سيدَنا سليمان عليه السلام فتنةً جعلته يتبيَّنُ مدى تعلُّقِهِ بمفردات المُلك التي كان اللهُ قد آتاهُ إياها، وأن ما ينبغي عليه أن يقوم به بعد هكذا تبيُّنٍ هو أن يتحرَر من كلِّ تعلُّقٍ بغير الله. ولذلك دعا سيدُنا سليمان ربَّه عز وجل الدعاء الذي فصَّلته الآية الكريمة 35 ص (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ). فسيدُنا سليمان بدعائه هذا إنما أرادَ ألا يرثَه أحدٌ من بعده، وذلك لكي لا يتعرَّض لما تعرَّض هو له من فتنة وذلك خشيةً منه عليه ومخافةَ ألا يجتازَ الفتنةَ بقلبٍ موقنٍ بألا نجاةَ إلا بتجريد القلب من كلِّ تعلُّقٍ بغير الله.

أضف تعليق