
أمرَ سيدُنا يعقوبُ بَنيه بأن يدخلوا مصرَ من أبوابٍ متفرقة لا من بابٍ واحد، وذلك لحاجةٍ في نفسه ما كانت لتستخفيَ عنه وهو الذي قال فيه اللهُ (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ)، إلا أنه عليه السلام أردفَ مُبيِّناً لبَنيه أن الأخذ بأسبابِ الحيطةِ والحذر لن يجعلَهم في مأمنٍ من يدِ القدَر إن كان أمرُ الله يقتضي ما لا يتَّفق مع ما يُفضي إليه التحوُّطُ والحذر؛ فالحكمُ لله وإرادةُ الله ماضيةٌ فينا شئنا أم أبَينا، والحذرُ لا يدفعُ القدَر (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (67 يوسف).
وهذا درسٌ في حُسن الأدبِ مع اللهِ تعالى ينبغي علينا أن نؤدِّبَ نفوسَنا بمقتضاه فلا نبالغ في حُسنِ الظنِّ بعقولِنا وبما أوتينا من ذكاءٍ وفطنة! فهذا الكونُ يأتمرُ بأمرِ خالقِهِ ومدبِّرِ أمرِه وليس لنا من الأمرِ شيءٌ حتى نظنَّ خلافَ ذلك فنتوهَّمَ أن لعقولِنا أن تتحكمَ بأقدارِنا ومصائرِنا التي سبقَ وأن خطَّتها يدُ القدرةِ الإلهية.
