
يُعتبَر “القدرُ البايولوجي” واحداً من أقوى الأقدار الإلهية التي تسلَّطت على الإنسان بأمرٍ من اللهِ تعالى. فالإنسان ذو ماضٍ بايولوجي ضاربٍ في القِدَم، ولهذا “القِدَم البايولوجي” تأثيرٌ على الإنسان يُضطَرُّ معه إلى وجوب أن يكونَ مُلزَماً بتنفيذ برنامجٍ إلهي غُرِسَ فيه غرساً منذ ملايين السنين. وتُخفِقُ كلُّ محاولاتِ الإنسان للإفلاتِ من قدَرِه البايولوجي، وذلك طالما لم يستعِن على ذلك بما زوَّدَه اللهُ تعالى به من إرادةٍ إن هو شحذَها بمشحذ الإيمان والعمل الصالح كان له أن يتحرَّرَ من تسلُّطِ هذا القدَر الذي ليس هناك من سبيلٍ آخر للإفلاتِ من مُحكَمِ قبضتِهِ التي حكَّمتها فيه أحقابٌ من الزمانِ ليس باليسيرِ إحصاؤها!
ولقد تحتَّم على الإنسان أن يرزحَ تحت نيرِ قدَرِهِ البايولوجي هذا، وذلك بسببٍ من خِلقته الطينية التي كانت مبتدأ تخلُّقِه. وهذا هو عينُ ما يُشيرُ إليه مبتدأ الآية الكريمة 2 من سورة الأنعام (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ). إلا أن هذه الخِلقةَ الطينية، التي كانت مبتدأ خلْق الإنسان، قد اقتضت تدرُّجَه في التخلُّقِ خلقاً بايولوجياً من بعدِ خلْق، فكان أن تعاقبت سلالات على إثرِ سلالات من المخلوقات البايولوجية التي كان لكلٍّ منها بصمتُه التي تركت أثرَها الواضح الجَلي في طينةِ الإنسان التخلُّقية.
وهكذا تعاقبت الدهورُ وتوالت العصورُ والأحقاب حتى جاءَ أوانُ عصر “أسلاف الإنسان الأواخر” الذين يمثِّلونَ آخرَ عهدِ الإنسان بماضيه الحيواني، وذلك لأن هذه المخلوقات كانت حيواناتٍ سويةً قبل أن يصيبَها ما أصابها من تضرُّرٍ جراء إصابتِها بفايروسٍ أتى على “طبيعيَّتِها” وجعل منها كائناتٍ عاجزةً عن الالتزام بقوانين الطبيعة التي ألزمَ اللهُ تعالى كائناتِها السوية بالتقيُّدِ بها وعدم الخروجِ عليها. ولقد أدت تلك الإصابةُ الفايروسية إلى جعلِ أسلاف الإنسان الأواخر مخلوقاتٍ تفسِدُ في الأرضِ وتسفكُ الدماء، وذلك في مخالفةٍ صريحة لقوانين الله تعالى التي أوجبت على حيوانات الطبيعة ألا يقتلَ بعضُها بعضاً هكذا ومن دونِ أن يكونَ القتلُ مُسبَّباً بأسباب البقاء على قيد الحياة. وهذه المدةُ من الزمان التي تعيَّن على الإنسان أن يقضيها يتدرجُ في التخلُّق البايولوجي طينةً بعدَ أخرى وصولاً إلى أسلافِه الأواخر هي الأجَلُ الذي أشارت إليه الآية الكريمة 2 الأنعام (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا).
غيرَ أن قصةَ تخلُّق الإنسان كانت لتقتضيَ من اللهِ تعالى أن يتدخلَ تدخلاً مباشراً ليُصحِّحَ ما كان قد تضرَّرَ بسببٍ من تلك الإصابةِ الفيروسية فكان أن نفخ اللهُ تعالى في سيدِنا آدمَ من روحِه نفخةً أصلحته وسوَّته بشراً سوياً. ولقد نجمَ عن هذا التدخُّل الإلهي المباشر في مسارِ تخلُّقِ الإنسان أن توجَّب على الإنسان أن يغادرَ هذه الأرض إلى جنةِ المأوى، والتي لم يمكث فيها إلا أجلاً من الزمان لا يعلمُ مدتَه إلا الله. وهذا الأجل هو “الأجل المسمى عند الله”، والذي أشارت إليه الآية الكريمة 2 الأنعام (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ).
وبذلك فلقد أُضيفت إلى قدرِ الإنسان البايولوجي “أقدارٌ أخرى” فيها من البايولوجيا الشيءُ الكثير وإن كانت هذه “بايولوجيا غير طبيعية” حتَّم تسلُّطُها القدَري على الإنسان تحدُّرُه من صُلبِ أولئك الأسلاف الأواخر وأكلُه من شجرةِ الجنةِ التي نُهي عنها. وبذلك فلقد تسلَّطت على الإنسان أقدارٌ قاسمُها المشترك هو البايولوجيا بين “طبيعيةٍ” يُمثِّلُها ماضيه الحيواني، وأخرى “غير طبيعية” مرجعُها إلى أسلافِه الأواخر وأكلِه من تلك الشجرةِ المحرمة.
ولقد أدى هذا “التسلُّط البايولوجي” الطبيعي -غير الطبيعي على الإنسان إلى جعلِهِ “إنسانَ أسفلِ سافلين” والذي لن يُنجَّى من قدَرِه هذا إلا إذا اختارَ أن يسيرَ وفقَ منهاجِ اللهِ تعالى الذي جاءَته به من عندِ اللهِ رسلُ الله: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38 -39 البقرة)، (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (35 -36 الأعراف).
