
أخفقَ كلٌّ من العلمِ والتفسيرِ التقليدي للدين في صياغةِ تصورٍ للإنسان يوفيه حقَّه ومستحقَّه من التوصيف تبياناً لما هو عليه حقاً وحقيقة. وما ذلك إلا لأن كلاً منهما يُصرُّ على النظرِ إلى الإنسانِ نظرةً تبالغُ في تقديره فلا تُمكَّن بالتالي من الإحاطةِ بدقائقِ تكوينه ومكامِنِ ضعفِه الذي فاتَ كلاً منهما أنه صفةُ هذا الإنسان التي تُميِّزُه وتُعرِّفُه وذلك بالمقارنةِ مع غيرِهِ من المخلوقات البايولوجية التي تتفوقُ عليه كلُّها جميعاً بهذا الذي هي عليه من تمامِ التوافقِ والتطابقِ مع “نظام الطبيعة” الذي خرج عليه الإنسانُ خروجاً سافراً لا سبيلَ هناك على الإطلاق للتغافُلِ عنه دحضاً وإنكاراً!
ولقد عادت هذه النظرةُ المُغاليةُ في تقديرِ الإنسانِ علينا بأن جعلت منا نفشلُ في تحديدِ العلةِ من وراء خروجه على “الناموس الطبيعي” خروجاً تُبرهِنُ عليه خصالُه البايولوجية وسماتُه الفسيولوجية وما هو عليه من تضرُّرٍ سايكولوجي يتجلى بهذا الإخفاقِ منه فرداً وجماعة في تحقيقِ “الانضباطِ الذاتي” إلا خوفاً ورهبةً من القوةِ الرادعة للقانون الوضعي الذي لولاه لما كانت هناك جماعةٌ إنسانية ولا مجتمعاتٌ بشرية!
وحدهُ دينُ اللهِ تعالى هو مَن نجح في وصفِ الإنسانِ “التوصيفَ الحق” الذي بمقتضاهُ تمكنَّا من أن نُحيطَ بهذا الإنسان “الإحاطةَ المثلى” معرفةً بما هو عليه حقاً وحقيقة؛ كيفَ لا ودينُ اللهِ تعالى قد أبانَ عن تلك “الصفحاتِ المجهولة” من الماضي الإنساني التي يتكفَّلُ اطِّلاعُنا عليها بتبيانِ العلةِ التي تجعلُ من الإنسان على هذا القدرِ من “الخروجِ السافر” على قوانين الطبيعة! فيكفينا أن نتدبَّر ما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم من حقائقَ ذاتِ صلةٍ بهذا الإنسان حتى يتبيَّنَ لنا مقدارُ البون الشاسع بين هذا الذي يُعرِّفُنا اللهُ تعالى به عنه وبين ذاك الذي يقولُ به كلٌ من العلم والتفسير التقليدي للدين!
