
لا يمكن للباحث في تاريخ “أوروبا القرون الوسطى”، كما لا يمكن للباحث في العقائد الشعبية لـ “أهل أوروبا وأهل أمريكا هذا الزمان”، أن ينتهي إلى الحقيقة بشأن كلٍّ إن هو لم يتدبَّر الصورةَ النمطية للشيطان التي أجمع عليها كلٌّ! فصورة الشيطان عند الغرب قد نسجتها خيالاتُ أهلِهِ عنه على مدى مئات السنين. وهذه الصورة تجعلُ للشيطان سلطاناً على الإنسان فلا قدرةَ له والحالُ هذه على أن يتفلَّت من قبضته! فالإنسانُ وفقاً للميثولوجيا الغربية كيانٌ ضعيف بوسع الشيطان أن يقهره أو يُجنِّده أو يُجنِّنه أو….!
ولقد كان لهذه الصورة النمطية للشيطان عند أهل الغرب أن تجعل منهم يبالغون في تقدير قوته وإلى الحد الذي جعلهم أسرى خيالاتٍ ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان! فيكفينا أن نتصفَّح آلاف الصفحات التي سطرتها تلك الأنامل المرتعشة خوفاً وفَرَقاً من هذا الشيطان الذي غالوا في تقديرِ سلطانِه على البشر ليتبيَّن لنا ما كان عليه القومُ من نأيٍ وابتعاد عن صورته الحقيقية والتي أجملها لنا قرآنُ الله العظيم بقوله تعالى (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (من 76 النساء).
فكيدُ الشيطان هذا، الذي بالغَ أهلُ الغربِ في تقديره حتى تصوَّروا أن بمقدورِهِ أن يفعلَ في الكونِ ما يحلو له وما يشاء، هو في حقيقة الأمر كيدٌ قد أجازه به اللهُ تعالى وحدَّد له مدياتِهِ فلم يُطلِق يدَهُ يعيثُ في الوجودِ فساداً كما تُريدُنا الميثولوجيا الغربية أن نشاركَها ظنونها به وتصوراتها عنه. ولقد بيَّن لنا القرآنُ العظيم تفاصيلَ هذه الإجازةِ الإلهية التي بمقتضاها كان للشيطانِ أن يُضِلَّ من بني آدم مَن اختار منهم أن يُصغي إليه ويتَّبع خطواته ليكون من حزبه (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيم. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (39 -42 الحجر).
