الفلسفة إبنة الدين!

تحدثتُ في المنشور السابق عن الأصل الإلهي لمنظومةِ الأخلاق والقِيَم الإنسانية، وبيَّنتُ أنَّ ما بين أيدينا اليومَ من قِيَمٍ وأخلاق لا ينبغي أن تجعلَنا نتوهمُ فنظنُّ أنَّ الإنسانَ هو الذي أبدعَها! فالعقلُ البشري ليس بمقدورِهِ أن يجيءَ بالأصلِ الذي عنه انبثقت الفروعُ الأخلاقية التي تعدَّدت مدارسَ ومذاهبَ شتى!
وإذا كانت الأخلاقُ البشريةُ صنيعةَ الدينِ الإلهي، فإنَّ الفلسفةَ هي الأخرى ما كان لها أن توجدَ لولا هذا الدين. فالعقلُ البشري ما كان له أن يُبدِعَ الفلسفةَ لولا ما اضطرَّتهُ إليه “الحقائقُ الدينية” التي جاء بها الدينُ الإلهي. فهذه الحقائقُ استفزَّت عقلَ الإنسان بهذا الذي هي عليه من “تمايزٍ وجودي” عن مفرداتِ الواقع الذي قُدِّرَ للإنسان أن يعيشه. فغيبياتُ الدين الإلهي تتحدى العقلَ البشري الذي اجتهدَ محاولاً أن “يتقبَّلها” وذلك على الرغمِ من تمايُزِها عن كلِّ ما سبق له وأن تعاملَ معرفياً معه من مفرداتِ هذا الواقع.
وبذلك مهَّدت هذه الغيبياتُ الدينية السبيلَ أمامَ العقلِ البشري ليخوضَ في غِمارِ هذه المحاولات الفكرية التي كان الهدفُ من ورائها إرغامَه على الإيمانِ بالغيب. فالإيمانُ بالغيبِ يتحدى العقلَ تحدياً يُضطرُّ معه إلى “ابتداعِ” ما يُمكِّنُه من التعليلِ لهذا الذي ينطوي عليه الدينُ الإلهي ويشتملُ من غيبياتٍ لابد من الإيمانِ بها بالغيب.
وهكذا كان للفلسفةِ أن تولدَ وتترعرعَ في ربوعِ الدينِ الإلهي محاولاتٍ فكريةً ابتغى من ورائها الإنسانُ أن يُوطِّنَ عقلَه على هذه المفاهيم الغيبية التي كلَّما ظنَّ أنه قد أمسكَ بتلابيبِها تفلَّتت منه وزاغت مما اضطرَّهُ إلى “التفلسُف” علَّه ينجحُ في عقلنتِها لتُصبِحَ “معقولةً” كما هو معقولٌ كلُّ ما قُيِّضَ له أن يتعاملَ معرفياً معه من مفرداتِ هذا الوجود.

أضف تعليق