جادلَ الكفارُ أنبياءَهم بما ظنوا أنها حُجَّتُهم البالغة التي توهَّموا أن بمستطاعِهِم أن يدحضوا بها ما جاءَهم به الأنبياءُ من أنَّ اللهَ تعالى سيبعثُ الموتى يومَ القيامة! ومفادُ هذه الحجة أنَّ الأرضَ تأتي على مَن يُلقى في جوفِها من موتى البشر فلا تُبقي منهم إلا على عظامٍ نَخِرة ورُفاةٍ متبعثرة (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) (49 الإسراء).
ولقد فنَّدَ القرآنُ العظيمُ هذه الحجة وبيَّنَ أنها حجةٌ داحضة وذلك بقولِهِ تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (4 ق). فإذا كانت الأرضُ تأخذُ حصَّتَها من أبدانِ موتى البشر، بهذا الذي تُسلِّطُهُ عليها من دودِها وهوامِها، فإنَّ للهِ تعالى كتاباً حفيظاً تُستودعُ فيه أرواحُ هؤلاء الموتى فلا تعزبُ عنه روحٌ أبداً إلا من شاء الله! (لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (56 الروم).
ولأن أرواحَ الموتى محكومٌ عليها بأن تبقى مستودَعةً في كتابِ اللهِ هذا إلى يومِ البعث، فإنَّ أيَّ حديثٍ عن “اتِّصالٍ وتواصل” بين عالَمِ أحياء البشر وعالَم موتاهم لَيتعارضُ مع صريحِ نصِّ القرآنِ العظيم! بل أنَّ هذا القرآنَ قد كشفَ لنا النقابَ عن أنَّ هناك حِجاباً حاجزاً يفصلُ بين هذين العالمين فلا سبيل والحالُ هذه لأن يكون هناك هكذا تواصل (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (99 -100 المؤمنون).
و”البرزخُ” لغةً هو الحدُّ الفاصلُ بين كيانَين متمايزَين مختلفَين. ومثالٌ قرآنيٌّ على ذلك هو برزخُ البحرين الذي يفصلُ بين مائَين متمايزَين في العذوبة (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) (19 -20 الرحمن). فـ “برزخُ البحرين” هو الحاجزُ بين البحرين وهو الذي يحولُ دون أن يتمازجَ ماؤهُما فيختلطان (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا) (من 61 النمل).
وكذلك كان “برزخُ الموتى” حاجزاً بين عالمِ أحياءِ البشرِ وعالمِ أمواتِهم فلا تواصلَ ولا اتِّصال بينهما البتة.
وهكذا يُفنِّدُ القرآنُ العظيم دعاوى القائلين بأنَّ بالإمكانِ أن تُستحضرَ أرواحُ الموتى أو أن يكونَ لها حضورٌ يتجلَّى فيما يُسمى بـ “البيوتِ المسكونة”! فهذه كلُّها جميعاً ظواهرٌ لا يمكن أن يكونَ “الحضورُ الفاعلُ” هو فيها ما يُظَنُّ ويُتوهَّمُ! فأرواحُ الموتى مُستودَعةٌ في كتابِ اللهِ إلى يومِ البعث فلا سبيلَ هناك إلى التواصُلِ معها بالاستحضار، ولا سبيلَ لها إلى التجلِّي في عالمِنا بالحضورِ سكنى لبيوتٍ أو غير ذلك!

