تحدثتُ في منشورٍ سابق عن معنى “الإحاطةِ الإلهية” بالوجود وبكلِّ مفردةٍ من مفرداتِه، وبيَّنتُ أن هذه الإحاطةَ لابد منها وذلك حتى لا يزولَ الوجودُ وحتى لا تزولَ مفرداتُهُ. فالوجودُ عامرٌ بنورِ اللهِ تعالى الذي يغمرُهُ سمواتٍ وأرضين من أقصاهُ لأقصاه. ونورُ اللهِ تعالى في هذه الحياةِ الدنيا هو قبسٌ من شمس اللهِ تعالى التي تُنير عالمَ عرشِهِ خارجَ هذا الوجود. ولو أنَّ شمسَ اللهِ تعالى أشرقَت على الوجودِ في هذه الحياةِ الدنيا لأهلكته ولما صمدَت أيةُ مفردةٍ من مفرداتِهِ أمامَها.
إلا أنَّ الأمرَ يومَ القيامةِ لن يكونَ كما هو عليه اليوم. فالأرضُ ستُبدَّلُ يومَ القيامةِ غيرَ الأرضِ وكذلك هو الحالُ مع السمواتِ التي سيُبدِّلُها اللهُ سمواتٍ أخرى (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) (من 48 إبراهيم). فالنظامُ الفلكيُّ الذي ينطوي عليهِ الوجودُ في هذه الحياةِ الدنيا سيزولُ ليحِلَّ محلَّه نظامٌ آخر لا علاقةَ له به بالتمامِ والكلية. وعِلَّةُ ذلك أنَّ مادةَ الوجودِ يومَ القيامة لابد وأن يصنعَها اللهُ تعالى متمايزةً عن مادةِ الوجودِ في هذه الحياةِ الدنيا، وذلك بأن يجعلَها “تصمدُ” فلا تزولُ ولا تتلاشى عندما يُشرِقُ الوجودُ بنورِ ربِّهِ عز وجل. ولذلك فإنَّ الأرضَ يومَ القيامة لن تكونَ بحاجةٍ إلى نورِ شمسٍ تُضيءُ أرجاءَها طالما أنها ستُشرقُ بنورِ ربِّها الذي ستُشرِقُ شمسُهُ على الوجودِ يومَ القيامة فتُنيرُهُ دونَ حاجةٍ إلى شموسٍ أو أقمار. فالوجودُ يومَ القيامةِ هو كرسيُّ اللهِ وعرشُهُ اللذان لن يعودا متمايزَين كحالِهما اليوم في هذه الحياةِ الدنيا.

