انتهيتُ في منشورٍ سابق إلى أن ضعفَ الإنسان دليلٌ وبرهان على وجود الله تعالى. ولكن كيف يستقيمُ أن يكونَ هذا الإنسانُ الضعيفُ دليلاً وبرهاناً على وجود الله؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ المأزقَ المعرفي الذي يضطرُّنا إلى مجابهتِهِ تدبُّرُنا لهذا الذي هو عليه الإنسانُ من تناقضٍ صارخٍ بيِّن! فالإنسانُ من جهة يتشابه مع الحيوان تشابهاتٍ لا يمكن إلا أن تنتهي بمتدبِّرِها إلى القولِ بأن هناك ماضياً تطورياً مشتركاً يجمع بينهما. والإنسانُ من جهةٍ أخرى يتمايزُ عن الحيوانِ تمايزاً لابد من أن يجعلَنا نتساءلُ عن هذا الذي حدث فجعلَ من الإنسانِ يخرجُ على عالَمِ الطبيعة وعلى القوانينِ الطبيعية التي تقيَّدت بها أنواعُ الحيوانِ كلُّها جميعاً. والعلمُ الذي بين أيدينا عاجزٌ عن أن يُعلَّلَ لهذا التناقضِ الذي هو عليه الإنسان. فالإنسانُ من وجهةِ نظرِ هذا العلم كائنٌ طبيعي كغيرِهِ من كائنات الطبيعة! وهذه النظرة “الطبيعية” إلى الإنسان تُخقِقُ في التعليلِ لهذا الذي يتناشزُ به الإنسانُ عن الحيوان.
فالعلمُ الذي بين أيدينا لا قدرةَ له على أن يُفسِّرَ هذا الذي هو عليه الإنسانُ من “ضعفٍ بُنيوي” وذلك طالما كان هذا العلمُ لا يُقِرُّ للإنسانِ إلا بماضٍ حيوانيٍ فحسب هو كلُّ ما اقتضاهُ الأمرُ حتى يظهرَ الإنسانُ كما نعرفه. وحدُهُ الدينُ الإلهي هو مَن بمقدورِه أن يُعلِّلَ للضعف الإنساني التعليلَ الذي إن نحنُ تدبَّرناهُ كان لنا أن نتثبَّت من صدقِ ما يقولُ به هذا الدين من أنَّ اللهَ تعالى موجودٌ بحق.

