تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عما حدث لنا بُعيدَ أكلِ أبوَينا من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها. فلقد جرَّت تلك الأكلةُ على الإنسانِ ما جعل منه أمام مفترقِ طريقين لا ثالث لهما: فإما أن يلزمَ هَديَ اللهِ فيتَّبعَه فتُكتبَ له بذلك النجاةُ دنيا وآخرة، وإما أن يحيدَ عنه فيكون الشقاءُ رفيقَه دنيا وآخرة. ولقد تعهَّدَ اللهُ الإنسانَ بأن يُبيِّنَ له السبيلَ إلى النجاة وذلك بأن بعثَ أنبياءَه ورُسُلَه يبيِّنون مفرداتِ هذا السبيلِ تبياناً لا لبسَ يُمازجُهُ ولا غموضَ يُخالِطُه. فالإنسانُ خُلِقَ حراً من كلِّ ما يضطرُّهُ إلى أن يُجبرَ على انتهاجِ سبيلٍ يتعارضُ مع إرادته الحرة، فهو إن شاء آمنَ وإن شاء كفر. والإنسانُ إن هو اختارَ طريقَ الهدايةِ فإنَّ اللهَ سيهديه إليه صراطاً مستقيماً، وإن هو أصرَّ على النأي والابتعادِ عن طريقِ الهدى ألزمَهُ اللهُ تعالى ما أراد فأضلَّه عن سواءِ السبيل.
ولذلك جاءنا القرآنُ العظيم بما إن نحن تعهَّدناهُ بالانضباطِ وفقاً لما يقضي به من أوامرَ ونواهٍ، كان لنا أن يهديَنا اللهُ إليه صراطَه المستقيم. وهذا هو بعضٌ مما اشتملت عليه الآية الكريمة 39 الأنعام (وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). فأن يجعلك اللهُ تعالى على صراطٍ مستقيم أمرٌ منوطٌ بك وبإرادتِك الحرة التي خُلقتَ بها وأوكلَ اللهُ تعالى إليك أمرَها فأصبح انتهاجُ صراطِ اللهِ المستقيم رهنَ إرادتِك الحرة هذه.

