لا عبادةَ تضارعُ الصبرَ قدرةً على الارتقاءِ بالعبد إلى مصافِ “عباد الرحمن”. ولذلك أمرَنا اللهُ تعالى بالصبرِ في كثيرٍ من آياتِ قرآنِهِ العظيم. والعاقلُ الحصيفُ هو مَن لزِمَ الصبرَ في هذه الحياةِ الدنيا منهجاً تعبدياً يضطرُّ نفسَه إلى الالتزامِ به وإن كان في ذلك ما يضطرُّهُ إلى أن يعانيَ الأمرَّين جراء تمنُّعِها وإصرارِها على التفلُّت من كلِّ التزامٍ تقتضيهِ هذه العبادةُ الجليلة. ولذلك فإنك ترى أنَّ مَن أشغلتهُ نفسُه بهذه الحياةِ الدنيا هو أبعدُ ما يكونُ عن التحلِّي بالصبرِ وأقربُ ما يكونُ إلى الاتصافِ بالجزع: ضديدِ الصبرِ ونقيضِه.
ولقد أنبأنا القرآنُ العظيم بأن هؤلاءِ الذين فاتهم أن يتذوقوا ما للصبرِ من عظيمِ تأثيرٍ على العبد في حياتِه الدنيا سوف لن يعودَ عليهم “الصبرُ” يوم القيامة إلا بالحسراتِ على ما فاتهم منه يوم كان بمقدورهم أن يصبروا ولم يصبروا. و”صبرُ” مَن فاته أن يصبر في حياتِهِ الدنيا هو الذي تشيرُ إليه الآياتُ الكريمةُ التالية: (َإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) (24 فصلت)، (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (16 الطور)، (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) (175 البقرة).

