وردت في القرآن العظيم صيغتا دعاءٍ لسيدنا أيوب عليه السلام استغاثَ بهما اللهَ تعالى ليُنجِّيَه مما كان قد ألمَّ به من وبيل المصاب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (83 الأنبياء)، (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (41 ص). وإذا كان دعاءُ سورة الأنبياء لم يُشِر من قريبٍ أو بعيد إلى طبيعةِ الضرَر الذي تعيَّن على سيدِنا أيوب أن يُعانيَه، فإنه قد يُفهَم من دعاءَ سورةِ ص أنه يشير إلى أن الشيطانَ هو المتسبِّبُ في مصابِه الجسماني عليه السلام. وهذا خطأ في الفهم والتأويل والتفسير جدُّ جسيم. فالشيطانُ ليس له أن يتسبَّبَ بأي إضرارٍ بدَني له أن يتجلَّى مرضاً وسقَماً وعلة. أما ما ذكرَه سيدنا أيوب من إضرارٍ عزاهُ إلى تدخُّلِ الشيطان، فهو ليس بأكثرِ مما الشيطانُ قادرٌ عليه من تسبُّبٍ في إلحاقِ الأذى والضرر بالمنظومةِ النفسية- العقلية للإنسان؛ هذا الإضرارُ الذي تجلى في حالةِ سيدِنا أيوب هماً وغماً وكرباً وكدراً. وهذه كلها جميعاً عوامل تظاهرت واحتشدت حتى أصابته عليه السلام بما وصفه بأنه “نَصبٌ وعذاب”. فالشيطانُ لم يُجزِهُ اللهُ تعالى بأن يضرَّ الإنسانَ ويؤذيه ضرراً وأذىً بدَنياً. فكلُّ ما بمقدور الشيطان أن يقوم به إنما يدورُ في فلَك الهمز والوسوسة والنزغ وإلقاء الرَّوع، مما يسهم في بثِّ الشك واليأس والقنوط من رحمةِ اللهِ تعالى. ولذلك فلقد استعانَ سيدُنا أيوب باللهِ تعالى حتى يُنجِّيَه من هذا الذي كان يتعرَّض له من هجمةٍ من الشيطان أوجز فعلَها بنتيجتَين هما: النَّصب والعذاب. والنصبُ والعذابُ هنا لم يًصيبا من سيدِنا أيوبَ البدَن، ولكنهما أصابا نفسَه فحسب.

