خُلِقَ الإنسانُ ضعيفاً ظلوماً جهولاً كفوراً هلوعاً جزوعاً منوعاً يئوساً. ولأن الإنسانَ هذه هي صفاتُهُ، التي قلَّما أفلتَ من مُحكَمِ قبضتها أحدٌ من أفرادِ الجماعةِ الإنسانية، فإنه لمن المنطقي ألا يرى الإنسانُ في العسرِ الذي قد يجتاحُ حياتَه بغتةً وعلى حينِ غرة إلا عُسراً محضاً مطلقاً لا تشوبُه أيةُ شائبةٍ من اليُسر! فالإنسانُ إذا ما ألمَّ به عسرٌ ظنَّ وتوهَّمَ أنها نهايةُ العالم وأنه لن تقومَ له قائمةٌ بعدها أبداً! ولذلك ترى الإنسانَ إذ أصابهُ العسرُ ييأس ويقنط ويُسلمُ قيادَه بالتالي إلى مَن سيُغذِّي فيه هذا اليأسِ والقنوط نفساً أمارةً بالسوءِ إلا ما رحمَ الله وشيطاناً أقسمَ بعزةِ الله تعالى إنه لُمُضِلُّ السوادَ الأعظمَ من بني آدم.
ولأن الإنسانَ هكذا هي خِلقتُه، وهذه هي جِبلتُه، فلقد كان لزاماً على اللهِ الذي خلقه أن يُبيِّنَ له الحقيقةَ التي ليس بمقدورِه أن يُبصرَها وهو بهذه الصفاتِ كلِّها جميعاً. فاللهُ تعالى ما أرسلَ رسولَه صلى الله تعالى عليه وسلم إلا رحمةً للعالمين. ومن مفردات هذه الرحمةِ العامةِ الشاملةِ المطلقة أنَّه تعالى قد بيَّن في قرآنِه العظيم جوانبَ من هذه الحقيقة المُغيَّبة عن إبصارِ بني آدم، فجاءتنا سورةُ الشرح بما يُطمِئنُ القلوبَ بأنَّ ما من عسرٍ إلا واليُسرُ يخالطُه ويشوبُه ويمازجهُ فلا يأتي منفرداً أبداً (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (5- 6 الشرح).

