توجَّهَ اللهُ إلى الإنسان بخطابٍ قرآني حرص على تذكيرِه بما ينبغي أن يكونَ عليه حالُه معه تعالى. ومن مفرداتِ هذا الخطاب القرآني تذكيرُ الإنسانِ بحقيقةِ قدْرِه؛ هذا القدر الذي يُبالغُ الإنسانُ في تعظيمِه دون وجهِ حق! ولذلك فإنَّ تدبُّرَ هذا الخطاب القرآني كفيلٌ بجعلنا نقعُ على جملةٍ من مفرداتِ الحقيقةِ الإنسانية؛ هذه الحقيقة التي لا نجدُ من أساطينِ الفكر أحداً قد وضعَ يده عليها! فالقرآنُ العظيم يُعرِّفُ الإنسانَ بحقيقةِ خِلقتِه فيُخبرُه بأنه قد خُلِقَ ضعيفاً (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء). إلا أن الإنسانَ يُصِرُّ مستكبراً على التصرُّفِ كما لو أنَّ بمقدورِه أن يخرِقَ الأرضَ ويبلغَ الجبالَ طولاً (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (37 لقمان).
ولذلك فإنَّ القرآنَ العظيم قد جاء فيه ما يُذكِّرُ الإنسانَ بوجوبِ أن يعرفَ قدرَ نفسِه دون مبالغةٍ منه أو تضخيم. وهذا ما بإمكاننا أن نتبيَّنه بتدبُّرِنا آياتٍ كريمة من مثل: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ) (من 27 النازعات)، (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (57 غافر)، (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) (11 الصافات).

