في معنى قوله تعالى “أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ”

ليست أحداثُ الوجودِ كلُّها جميعاً في الحدوثِ سواء؛ فالسوادُ الأعظم من أحداثِ الوجودِ يحدثُ بتسلُّطِ الأسبابِ التي جعل اللهُ الوجودَ يعجُّ بها ويزخر. وهذه الأسباب يتدخَّلُ بها اللهُ تعالى في الوجودِ تدخلاً غيرَ مباشرٍ من وراءِ حجابٍ جعلِ عقلَ الإنسانِ يتوهَّمُها فيظنُّ أنها تفعلُ ما تفعل بمدَدٍ ذاتي، وما ذلك إلا لأنَّ اللهَ تعالى لا تُدركُه الأبصار.
إلا أن هناك من أحداثِ الوجودِ ما يحدثُ بتدخُّلٍ إلهي مباشر ومن دونِ أسباب. وهذا التدخُّلُ الإلهي المباشر في أحداثِ الوجودِ هو ما سمَّاهُ القرآنُ العظيم بـ “أمرِ الله”، والذي يتمايزُ عن الأسباب بأنه يحدثُ بلمح البصر (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (50 القمر)، في الوقت الذي تتطلبُ الأسبابُ مُدَداً من الزمان كيما تنجمُ عنها الأحداث.
ولنا في قصة سيدنا سليمان عليه السلام مع عرشِ الملكةِ ما بوسعِه أن يُبيِّنَ لنا هذا الفارقَ في زمن الحدوث. فبينما كان عفريتُ الجنِّ يحتاجُ ساعاتٍ حتى يأتيَ سيدَنا سليمان بهذا العرش، فإن الذي عنده علمٌ من الكتاب جاء به قبل أن يرتدَّ إلى سيدِنا سليمان طرفُه، أي بلمحٍ بالبصر، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّر الآيات الكريمة التالية: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).

أضف تعليق